Home » رأي الخبراء » توقفوا عن عدّ الوكلاء وابدؤوا بطرح هذا السؤال

اسأل مجموعة من المسؤولين التنفيذيين عن الذكاء الاصطناعي الوكيلي، وخلال نحو 90 ثانية، سيطرح أحدهم سؤالًا حول عدد الوكلاء الذين ينبغي عليهم تشغيلهم. وأصبح هذا الرقم مقياسًا افتراضيًا للتقدم؛ فهو رقم يمكن وضعه في عرض تقديمي، ومقارنته بمنافس، ورفعه إلى الإدارة العليا.لكن هذا هو السؤال الخطأ.

خلال عدد من ورش العمل التي أجريتها أنا وفريقي مع مؤسسات في الشرق الأوسط، لاحظنا أن المؤسسات التي تحقق قيمة حقيقية من الذكاء الاصطناعي ليست تلك التي تمتلك أطول قائمة من الوكلاء. بل هي المؤسسات التي لم تبدأ أصلًا من هذا المنظور.

لقد بدأت بتحديد مشكلة تجارية أو نقطة احتكاك، ثم عملت على إيجاد الحل انطلاقًا منها. أما الجميع تقريبًا، فبدأوا بالتكنولوجيا أولًا، ثم بحثوا عن مكان يمكنهم توظيفها فيه.

هناك أربعة أسئلة أسمعها باستمرار، وتدفع الشركات الجيدة بهدوء نحو ما يمكن وصفه بـ**«جحيم التجارب الأولية» (Pilot Purgatory)**.

إليكم هذه الأسئلة، وما الذي سأطرحه بدلًا منها.

لا تسأل عن عدد الوكلاء، بل عن النتائج التي تحسّنها

خلال العامين الماضيين، انصبّ جزء كبير من الذكاء الاصطناعي المؤسسي على مساعدة الموظفين على إنجاز أعمالهم بسرعة أكبر. فهناك أدوات مساعدة تجيب عن الأسئلة، ومساعدات تلخّص الاجتماع الذي انتهيت منه للتو، وأدوات تساعدك على تجاوز مشكلة البدء من صفحة فارغة. وهذه أدوات مفيدة بالفعل، وأشجع الجميع على تفعيلها.

لكن السرعة لا تعني القيمة بالضرورة، كما أن عدد الوكلاء لا يعادل أيًا منهما. فلم تحقق أي مؤسسة قيمة حقيقية من خلال تراكم الوكلاء. وتظهر القيمة في نتائج أعمال ملموسة، مثل تقليل أخطاء الرواتب، وتسريع جدولة المناوبات، وخفض تكاليف البحث عن الموردين، وتحسين معدلات الفوز بالصفقات، وتسريع تحصيل المدفوعات.

وهنا يكمن الفرق بين الوكيل والتطبيق الوكيلي. فالوكيل يساعد في تنفيذ مهمة فردية، بينما ينسّق التطبيق الوكيلي فرقًا من الوكلاء المتخصصين لتحقيق نتيجة أعمال محددة. وإذا لم تتمكن من تحديد مؤشر الأداء الرئيسي (KPI) الذي يعمل الوكيل على تحسينه، فأنت لا تملك حالة استخدام حقيقية، بل مجرد عرض تجريبي.

لا تسأل عمّا إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع تقديم التوصيات، بل عمّا إذا كان يستطيع إنجاز المهمة

أكثر الالتباسات استمرارًا التي أواجهها تتمثل في الخلط بين تقديم المشورة والتنفيذ. فهناك الكثير من الأنظمة التي تستطيع الآن استشعار موقف معين، واكتشاف نمط، وإخبارك بما ينبغي فعله بعد ذلك. وهذا تقدم حقيقي، لكنه لا يغيّر حقيقة أن معظم العمل لا يزال في مكانه.

لنأخذ عمليات البحث عن الموردين كمثال. يمكن لمساعد ذكي أن يشير إلى أن فئة معينة حان وقت إعادة التفاوض بشأنها، وأن يقترح إطلاق عملية تنافسية. لكن لا يزال يتعين على شخص ما إنشاء هذه العملية، ومتابعة الردود، وتقييمها وفق المعايير التجارية، وتوجيه الموافقات إلى الجهات الصحيحة، وتحديث العقد، ومتابعة العملية بأكملها حتى إتمامها.

أما التطبيق الوكيلي، فيتولى هذا العمل وفق السياسات المعتمدة، مع إشراف وموافقة بشرية عند الحاجة، إلى جانب الاحتفاظ بسجل يوضح ما قام به ولماذا.

والاختبار هنا بسيط: في نهاية التفاعل، هل تقدمت العملية خطوة إلى الأمام، أم أنك أصبحت تملك فقط موظفًا أكثر اطلاعًا يواجه قائمة المهام نفسها؟

لا تسأل عن النموذج الذي يتصدر قوائم التقييم، بل عمّا إذا كان يفهم أعمالك

تهيمن نتائج اختبارات المقارنة على النقاش حول الذكاء الاصطناعي، لكنها أقل أهمية بكثير في المؤسسات مما يفترضه معظم القادة. فنادرًا ما يكون مستوى ذكاء النموذج الخام هو العامل المقيّد الحقيقي.

قد يفهم أحد النماذج المتقدمة المشتريات باعتبارها مجالًا متخصصًا، لكنه لا يعرف قائمة مورديك، أو مصفوفة تفويض الصلاحيات لديك، أو التزاماتك التعاقدية، أو وضع مخزونك الحالي، أو الاستثناءات الثلاثة التي وافق عليها المدير المالي في مارس. ومن دون هذه المعلومات، قد يتحول التطور التقني إلى مجرد تخمين مقنع ومدعوم بحجج جيدة.

وهنا يأتي سياق المؤسسة باعتباره العامل الفارق: البيانات المؤسسية الموثوقة وسياق الأعمال، بما في ذلك السياسات، والموافقات، وسجل المعاملات، والهيكل التنظيمي، والحالة الفعلية للعمليات الموجودة بالفعل داخل الأنظمة الأساسية للمؤسسة.

وكلما كانت قدرات الذكاء الاصطناعي الوكيلي أقرب إلى الأنظمة التي توجد فيها بالفعل عمليات الأعمال والبيانات وأمن المعلومات والموافقات، زادت قدرة الوكلاء على فهم السياق والتصرف ضمن الضوابط المعتمدة.

لا تسأل عن نظام واحد يفعل كل شيء، بل عن كيفية تنسيق المتخصصين

لا يزال هناك أمل راسخ في أن ينتهي المطاف بالذكاء الاصطناعي المؤسسي إلى مساعد رقمي واحد يعرف كل شيء. لكن الشركات لا تعمل بهذه الطريقة، وبالتالي لن يعمل الذكاء الاصطناعي فيها بهذه الطريقة أيضًا.

فالمؤسسات عبارة عن منظومات من المتخصصين: المالية، والموارد البشرية، وسلاسل التوريد، والخدمات، والمبيعات، ولكل منها خبراتها والتزاماتها وأهدافها الخاصة. والمقابل في عالم الذكاء الاصطناعي ليس وكيلًا واحدًا يعرف كل شيء، بل فرقًا من الوكلاء المنسقين، يعرف كل منهم مجاله ويعمل لتحقيق هدف مشترك.

وتُعد عمليات التوظيف مثالًا واضحًا على ذلك. إذ يتولى أحد الوكلاء البحث عن المرشحين وفرزهم، بينما يُعد آخر إجراءات الانضمام إلى العمل، ويتحقق ثالث من توفر الميزانية بالفعل، ويتولى رابع متابعة الموافقات المطلوبة من مدير التوظيف.

وقد يكون كل وكيل منهم مفيدًا بشكل محدود بمفرده، لكنهم معًا ينقلون عملية الأعمال من مرحلة وجود شاغر وظيفي إلى اليوم الأول للموظف الجديد. فالقيمة تكمن في التنسيق، وليس في المكونات منفردة.

أنظمة النتائج

ما يجمع هذه الأسئلة الأربعة هو تحول في الغرض الفعلي من برمجيات المؤسسات. فعلى مدى عقود، كانت تطبيقاتنا تسجل ما حدث. أما الآن، فنحن ندخل عصر أنظمة النتائج؛ وهي برمجيات تقرأ حالة الأعمال، وتحللها، وتتخذ إجراءات للحفاظ على تقدم العمل نحو هدف محدد.

ويتطلب هذا التحول من القيادات طرح أسئلة مختلفة. ليس: كم عدد الوكلاء؟ بل: ما النتيجة التي نريد تحقيقها؟ وليس: هل يستطيع تقديم المشورة؟ بل: هل يستطيع التنفيذ؟ وليس: ما مدى ذكاء النموذج؟ بل: إلى أي مدى يفهم أعمالنا؟ وليس عقلًا واحدًا، بل فريقًا واحدًا.

وعندما تكون الأسئلة صحيحة، تصبح القرارات التقنية أسهل بكثير. أما إذا كانت الأسئلة خاطئة، فقد ينتهي بك الأمر إلى تجميع مجموعة مثيرة للإعجاب من الوكلاء والأدوات والنماذج، من دون أن يتمكن أحد من ربطها بمؤشر ذي قيمة حقيقية للأعمال.

بقلم ياسين البقيويلي، نائب الرئيس – القطاع التجاري، الخليج، Oracle