Home » رأي الخبراء » كيف تبني سنة الذكاء الاصطناعي في السعودية اقتصادًا قائمًا على الذكاء الاصطناعي

مع إعلان السعودية عام 2026 عام الذكاء الاصطناعي، يوضح برونو مورايش، نائب الرئيس للشؤون التجارية في السعودية لدى Oracle، ما يتطلبه بناء اقتصاد مستدام قائم على الذكاء الاصطناعي، بدءًا من الحوسبة السحابية السيادية وبرامج تنمية المهارات الوطنية، وصولًا إلى الشركات الناشئة المحلية.

منذ وقت ليس ببعيد، كان التنقل في مدينة غير مألوفة من دون Google Maps أو Waze أمرًا طبيعيًا. أما اليوم، فأصبح من الصعب تخيل ذلك، إذ نتحقق من حركة المرور في الوقت الفعلي حتى عند استخدام طرق نعرفها عن ظهر قلب.

وأعتقد أن هذا المثال يجسد الطريقة التي ستنظر بها المؤسسات قريبًا إلى الذكاء الاصطناعي. فبمجرد أن يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من العمل اليومي، لن يكون هناك مجال للعودة إلى الوراء، وستطالب المؤسسات بالقدرات نفسها داخل بيئاتها، لكن يجب أن يقترن ذلك بأمن محكم وحوكمة سليمة لضمان بقاء البيانات ضمن بنيتها التحتية. فأي انكشاف يمثل نقطة ضعف، ومع تسارع قدرات الذكاء الاصطناعي، يجب أن تتسارع أيضًا الإجراءات التي تحمي البيانات التي تقوم عليها هذه القدرات.

واليوم، لم يعد السباق العالمي نحو ريادة الذكاء الاصطناعي يتعلق بمن يطور أقوى الخوارزميات، بل بمن ينشئ أقوى الأسس التي تتيح للذكاء الاصطناعي الازدهار.

وهذا يعني الاستثمار في أكثر من مجرد التكنولوجيا. إذ يتطلب الأمر بنية تحتية رقمية عالمية المستوى، ومنصات سحابية موثوقة، وكفاءات متخصصة، ومنظومة ابتكار تتيح للشركات تبني الذكاء الاصطناعي وتوسيع نطاقه بثقة.

وتدرك السعودية ذلك، وقد بدأت هذه الاستثمارات بالفعل على نطاق وطني.

فقد التزم صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF) بأكثر من 40 مليار دولار في مشاريع مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ما يسهم في بناء الأساس لاقتصاد الذكاء الاصطناعي المتنامي في المملكة.

كما أعلنت المملكة أن عام 2026 هو «عام الذكاء الاصطناعي»، في إشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد اتجاه تقني آخر، بل أصبح ركيزة استراتيجية للتحول الاقتصادي. وبدلًا من التعامل مع الذكاء الاصطناعي كمبادرة منفصلة، تعمل السعودية على دمجه في صميم أجندة رؤية 2030، وتهيئة الظروف اللازمة لبناء اقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي. ووفقًا لـالهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (SDAIA)، يرتبط 66 هدفًا من أصل 96 هدفًا ضمن رؤية المملكة 2030 بشكل مباشر أو غير مباشر بالبيانات والذكاء الاصطناعي.

ويحقق هذا النهج المنسق نتائج بالفعل. فقد أصبحت السعودية واحدة من أسرع أسواق الذكاء الاصطناعي نموًا في المنطقة، مستقطبة مليارات الدولارات من الاستثمارات، بالتزامن مع تسريع تبني الذكاء الاصطناعي في قطاعات الحكومة والتمويل والرعاية الصحية والتعليم والصناعة. وخلال العام الماضي وحده، حصلت الشركات السعودية على 9.1 مليار دولار عبر 70 صفقة استثمارية، بينما تجاوز عدد شركات الذكاء الاصطناعي العاملة في المملكة 600 شركة.

كما يبرز تقرير Deloitte Digital Consumer Trends 2026 الخاص بالسعودية مستوى انتشار الذكاء الاصطناعي في المملكة، إذ أظهر ارتفاع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بين المستهلكين السعوديين من 49% إلى 66% خلال عام واحد، وهو تحول وصفه التقرير بأنه نقطة تحول حقيقية. فما كان تجربة قبل عام أصبح اليوم عادة يومية لدى شخصين من كل ثلاثة أشخاص.

وتُعد هذه الأرقام مشجعة، لكن استمرار النمو نحو بناء اقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي يعتمد على عدة ركائز. إذ تتطلب الريادة على المدى الطويل بناء ثلاث ركائز في الوقت نفسه:

البنية التحتية والمواهب والابتكار

بناء بنية تحتية لذكاء اصطناعي موثوق

مع اندماج الذكاء الاصطناعي في العمليات الحيوية، أصبحت البنية التحتية لا تقل أهمية عن الذكاء نفسه.

وبالنسبة إلى معظم المؤسسات في المملكة، يتمثل الخيار في الحوسبة السحابية العامة، وهو خيار منطقي، إذ تتركز فيها غالبية الاستثمارات والابتكارات والمهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي اليوم.

أما بالنسبة إلى مجموعة أضيق من أعباء العمل، لا سيما في القطاع الحكومي أو القطاعات الخاضعة لتنظيمات صارمة، فتتطلب متطلبات توطين البيانات طبقة إضافية من التحكم. ويمكن للقطاعات شديدة التنظيم الاستفادة من الإمكانات الكاملة للذكاء الاصطناعي من خلال بيئة سحابية موثوقة تحمي المعلومات الحساسة، وتمتثل للوائح الوطنية، وتوفر الأداء اللازم لأعباء العمل واسعة النطاق المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وهنا تؤدي الحوسبة السحابية السيادية دورًا محددًا ومكملًا، وليس بديلًا عن الحوسبة السحابية العامة.

وقد أدركت السعودية هذه الحاجة مبكرًا، إذ تواصل المملكة الاستثمار في البنية التحتية السحابية التي تمكّن المؤسسات من الابتكار باستخدام الذكاء الاصطناعي، مع ضمان حماية البيانات داخل الحدود الوطنية.

ومن الأمثلة على ذلك نشر stc لمنصة Oracle Alloy، ما أتاح لواحدة من أكبر مزودي خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات في الشرق الأوسط تشغيل سحابة سيادية خاصة بها بالكامل من مراكز بيانات محلية. ويوفر هذا النشر للعملاء إمكانية الوصول إلى أكثر من 200 خدمة من Oracle Cloud، مع ضمان الامتثال لمتطلبات المملكة المتعلقة بتوطين البيانات والأمن السيبراني واللوائح التنظيمية.

ومع نضوج سوق الذكاء الاصطناعي، لاحظت من خلال محادثاتي مع العملاء في مختلف أنحاء المملكة تحولًا في الأولويات. فقد انتقل السؤال الرئيسي من «ما هو الذكاء الاصطناعي؟» إلى «كيف يمكننا حوكمته بأمان؟». ويسمح توفير خيارات الحوسبة السحابية العامة والسيادية المبنية على المنصة الأساسية نفسها للمؤسسات بمواكبة هذا التحول دون الحاجة إلى اختيار مسار واحد لجميع بيئاتها التقنية.

الريادة في الذكاء الاصطناعي تبدأ من الإنسان

لا يمكن للتكنولوجيا وحدها أن تصنع اقتصادًا قائمًا على الذكاء الاصطناعي.

فكل تطبيق ناجح للذكاء الاصطناعي يعتمد في نهاية المطاف على أشخاص يمتلكون المهارات اللازمة لتصميم الأنظمة الذكية وتنفيذها وحوكمتها وتطويرها باستمرار.

وقد جعلت السعودية تطوير المواهب أولوية وطنية.

وتُعد منصة المهارات الوطنية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي أطلقتها المملكة مؤخرًا بقيادة وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، خطوة مهمة نحو تحديث منظومة تطوير القوى العاملة. ومن خلال استخدام الذكاء الاصطناعي لتخصيص مسارات التعلم ومواءمة التدريب مع احتياجات سوق العمل، تهدف المنصة إلى تزويد أكثر من 3 ملايين شخص بمهارات جاهزة للمستقبل في مجالات تشمل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والرعاية الصحية وتجارة التجزئة.

ويعكس ذلك تحولًا مهمًا في تطوير القوى العاملة، من نماذج التعليم الموحدة إلى التعلم الشخصي القائم على البيانات، والذي يتطور بالتوازي مع الاقتصاد.

كما يؤدي قطاع الصناعة دورًا محوريًا.

ففي مختلف أنحاء المملكة، تسهم الشراكات بين الحكومة والجامعات وشركات التكنولوجيا في توفير مسارات متعددة نحو وظائف ومهن في مجال الذكاء الاصطناعي.

ويُعد برنامج Mostaqbali من Oracle أحد الأمثلة على ذلك، إذ يستعد 50 ألفًا من السعوديات والشباب والمهنيين للعمل في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والأمن السيبراني وتحليلات البيانات، من خلال مسارات تعليمية منظمة تقدمها Oracle University.

ومؤخرًا، وسعت Oracle شراكتها مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات (MCIT) لتوفير تدريب عملي في الذكاء الاصطناعي لـ10 آلاف طالب ضمن مبادرة Smart Summer Seekers.

وبالمثل، أعلنت Red Sea Global وOracle مؤخرًا خططًا لتدريب 5 آلاف مواطن سعودي، بهدف تزويد المواهب المحلية بالمهارات الرقمية اللازمة لدعم أحد أكثر مشاريع السياحة والتنمية طموحًا في المملكة.

وتوضح هذه المبادرات التزامًا وطنيًا أوسع ببناء قاعدة مستدامة من المواهب في مجال الذكاء الاصطناعي، تمتد من الفصول الدراسية إلى سوق العمل.

تحويل قدرات الذكاء الاصطناعي إلى قيمة اقتصادية

توفر البنية التحتية والمواهب الظروف اللازمة للابتكار، بينما يحول رواد الأعمال والشركات الناشئة هذه الظروف إلى نمو اقتصادي.

وتضع رؤية السعودية 2030 الابتكار في صميم تنويع الاقتصاد، مع توقع أن يصبح الذكاء الاصطناعي محفزًا لصناعات جديدة ونماذج أعمال مبتكرة ومكاسب في الإنتاجية عبر مختلف قطاعات الاقتصاد.

وتشهد المملكة بالفعل نتائج ملموسة.

ومن أبرز الشركات الناشئة التي تظهر في المملكة Takween، وهي شركة احتضنتها جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (KAUST).

وبهدف توفير حلول ذكاء اصطناعي سيادية بمستوى المؤسسات، تتناسب مع البيئة الصناعية والتنظيمية في المملكة، احتاجت Takween إلى شريك سحابي قادر على دعم متطلبات بنيتها التحتية السيادية وطموحاتها للتوسع في الذكاء الاصطناعي. واختارت الشركة Oracle Cloud Infrastructure (OCI) أثناء تطوير Takween Cloud، ما يتيح لها إنشاء خدمة سحابية سيادية للذكاء الاصطناعي مدعومة ببنية قوية لوحدات معالجة الرسومات (GPU) من Oracle، وشبكات عالية النطاق الترددي، وزمن استجابة منخفض، ومستويات قوية من الأمان.

ومع تبني المزيد من المؤسسات للذكاء الاصطناعي في مجالات تجربة العملاء والعمليات وسلاسل الإمداد والتمويل وتطوير البرمجيات، من المرجح أن تتضاعف هذه المكاسب عبر الاقتصاد الأوسع.

ولا تقتصر الفرصة على الشركات الفردية، إذ يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على تحسين الخدمات العامة، وتسريع البحث العلمي، وتعزيز أنظمة الرعاية الصحية، وتحديث قطاع التصنيع، وفتح مجالات اقتصادية جديدة بالكامل.

بناء اقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي على المدى الطويل

لن تكون الدول الرائدة في عصر الذكاء الاصطناعي بالضرورة هي التي تبتكر كل اختراق تقني جديد.

بل ستكون الدول التي تنشئ منظومات قادرة على تبني الذكاء الاصطناعي وتوسيع نطاق استخدامه.

وتتبع السعودية نهجًا مدروسًا وطويل الأجل من خلال الاستثمار في البنية التحتية السحابية، وقدرات الذكاء الاصطناعي السيادي، والمهارات الرقمية، والابتكار في الوقت نفسه.

وتنشئ هذه الاستثمارات معًا دورة متكاملة تعزز بعضها بعضًا؛ فالبنية التحتية الموثوقة تشجع على التبني، والمواهب الماهرة تسرّع الابتكار، والابتكار الناجح يدفع مزيدًا من النمو الاقتصادي.

وسيتطلب الحفاظ على هذا الزخم مواصلة التعاون بين الحكومة والأوساط الأكاديمية وقطاع الأعمال. كما سيتطلب ترسيخ ثقافة تشجع على التجربة وريادة الأعمال والتبني المسؤول للذكاء الاصطناعي.

وبعد أن قدت الأعمال التجارية لشركة Oracle في المملكة خلال هذا التحول، أرى أن عام الذكاء الاصطناعي يتجاوز كونه إعلانًا رمزيًا. فهو يمثل رؤية استراتيجية للمستقبل، حيث لا يكون الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية أخرى، بل أساسًا لاقتصاد أكثر تنوعًا ومرونة وقدرة على المنافسة عالميًا، ومرتبطًا بشكل مباشر، هدفًا تلو الآخر، برؤية 2030 نفسها.

ويمتلك هذا النهج القدرة ليس فقط على تسريع طموحات السعودية الوطنية، بل أيضًا على ترسيخ مكانة المملكة كواحدة من الاقتصادات الرائدة عالميًا في مجال الذكاء الاصطناعي، ونموذجًا للتحول الرقمي في المنطقة.

بقلم برونو مورايش، نائب الرئيس للشؤون التجارية في السعودية، Oracle