Home » رأي الخبراء » لماذا يعتمد مستقبل الذكاء الاصطناعي على المنصات والأفراد

مع استمرار تشكل مستقبل الذكاء الاصطناعي، لن يكون العامل الفارق للمؤسسات هو زيادة عدد الوكلاء الأذكياء أو توسيع نطاق الأتمتة، بل امتلاك منصة موحدة تربط البيانات وسير العمل وآليات الحوكمة. وتوضح جيسيكا كونستانتينيديس، مسؤولة الابتكار لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في ServiceNow، أن مستقبل الذكاء الاصطناعي يعتمد على بناء هذه البنية التقنية بالشكل الصحيح، إلى جانب تمكين الأفراد للاستفادة منها.

في وقت سابق من هذا العام، صنّفت Microsoft دولة الإمارات في المركز الأول ضمن مؤشر “انتشار الذكاء الاصطناعي” (AI Diffusion)، مشيرةً إلى أن نحو 64% من السكان في سن العمل استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي خلال النصف الثاني من عام 2025. ورغم تأكيد الشركة أن أي مؤشر منفرد لا يعكس الصورة الكاملة، فإن هذه النتيجة تنضم إلى سلسلة من التقارير العالمية التي تضع الإمارات بين الدول الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي.

لكن، ورغم ارتفاع مستوى الوعي باستخدام الذكاء الاصطناعي بين الأفراد، والحماس الكبير لدى مجتمع الأعمال لاعتماد هذه التقنيات، فإن الإمارات تواجه التحدي ذاته الذي يواجهه العالم بأسره: كيفية قياس الأثر الحقيقي للذكاء الاصطناعي. فهل تغيرت نماذج الأعمال بالفعل؟ وهل أصبحت القرارات أكثر جودة؟

وغالباً ما تنشأ هذه المشكلة بسبب غياب التكامل بين مشاريع الذكاء الاصطناعي، إذ تعمل الوكلاء والتطبيقات الذكية بصورة منفصلة، دون أن تمتد عبر مختلف سير العمل داخل المؤسسة.

ومع ظهور نماذج اللغات الكبيرة (LLMs) في أواخر عام 2022، اندفعت المؤسسات إلى إطلاق عدد كبير من المشاريع التجريبية، مدفوعة بموجة من الحماس. إلا أن هذه المرحلة تبعتها نظرة أكثر واقعية، حيث تحولت المبادرات إلى مشاريع معزولة داخل الإدارات المختلفة، تقودها حالات استخدام محددة. ونتيجة لذلك، لم تتمكن العديد من المؤسسات من توحيد النجاحات الفردية ضمن إطار مؤسسي متكامل للذكاء الاصطناعي.

وبدلاً من التركيز على سؤال «أي تقنيات ذكاء اصطناعي يجب اعتمادها؟»، تدعو كونستانتينيديس إلى طرح سؤال مختلف يتعلق بالبنية المؤسسية اللازمة لتطبيق الذكاء الاصطناعي بثقة، مع إمكانية توسيع استخدامه عند الحاجة، مع الالتزام بأفضل ممارسات الحوكمة وتمكين الموظفين.

وتؤكد أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي النظر إليه كبديل للعنصر البشري، بل كأداة مكملة لقدراته، تماماً كما فعلت الثورات الصناعية السابقة، التي اعتمدت على التقنيات الناشئة لتعزيز الإنتاجية بدلاً من استبدال الإنسان.

التوقف مؤقتاً… ثم الانطلاق بوتيرة أسرع

هذه الفكرة ليست جديدة، بل تمثل جوهر ما وعد به التحول الرقمي منذ البداية. فالذكاء الاصطناعي يتولى المهام الروتينية ليمنح البشر وقتاً أكبر للإبداع، والابتكار، وبناء علاقات أكثر فاعلية. وعند النظر إلى المؤسسات الرائدة في هذا المجال، يتضح أن تميزها لا يعود إلى استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل منفصل، بل إلى دمجه مع البيانات وسير العمل لتحقيق قيمة حقيقية بالشراكة مع العنصر البشري.

قد تحقق الأتمتة نتائج سريعة مثل رفع الإنتاجية، إلا أن هذه المكاسب قد لا تكون مستدامة. فالذكاء الاصطناعي قادر على تفسير ما حدث والتنبؤ بما سيحدث، لكنه يصبح أكثر قيمة عندما يمتلك السياق المؤسسي الكامل، فيقترح ما ينبغي القيام به، مع مراعاة معرفة المؤسسة الداخلية، وتحديد الجهات القادرة على تنفيذ القرار، وضمان الالتزام بالسياسات التنظيمية أثناء التنفيذ.

وترى كونستانتينيديس أن زيادة عدد وكلاء الذكاء الاصطناعي ليست الحل. بل تدعو المؤسسات إلى التوقف مؤقتاً عن إضافة المزيد من الوكلاء فوق الأنظمة الحالية، لأن ذلك لا يؤدي إلا إلى توسيع فجوة الذكاء الاصطناعي. وبدلاً من ذلك، ينبغي دمج الذكاء الاصطناعي في سير العمل وآليات الحوكمة التي تشكل أساس الأعمال.

ورغم أن كل وكيل ذكي قد يحقق قيمة في مهمة محددة، فإن النجاح طويل الأمد سيظل بعيد المنال ما لم يكن جزءاً من إطار موحد للذكاء الاصطناعي على مستوى المؤسسة. ويتطلب هذا الإطار القدرة على مشاركة السياق بين الأنظمة، وتطبيق السياسات المؤسسية بصورة موحدة، وإنشاء سجل تدقيق واضح لجميع العمليات.

وتشير إلى أن كثيراً من أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية تزود القيادات التنفيذية بمزيد من المعلومات، لكنها تقدمها بصورة مجزأة ومعقدة ومن دون منصة مركزية، مما يقلل من قيمتها العملية ويُبقي العزلة بين الإدارات قائمة.

وتصف هذا التعقيد بمصطلح “فوضى الوكلاء” (Agent Sprawl)، مؤكدة أن قدرة الوكيل على إنجاز مهمة بسرعة لا تعني بالضرورة أنه أحدث تحولاً حقيقياً. فالحل لا يكمن في تقليل عدد الوكلاء أو إلغائهم، وإنما في منصة موحدة تربط الذكاء الاصطناعي والبيانات والوكلاء مباشرةً بسير العمل، والحوكمة، والأنظمة الأساسية للمؤسسة.

الزميل المستقل

لا تزال نماذج الأساس (Foundation Models)، مهما بلغت حداثتها، غير قادرة بمفردها على تقديم هذه الإمكانات. ولهذا تبرز أهمية المنصة الموحدة، فهي التي توجه هذه النماذج، وتزودها بالسياق المناسب، وتربطها بالبيانات الأكثر صلة.

وفي رحلة التحول نحو الذكاء الاصطناعي المؤسسي، يصبح من الضروري أن تسأل المؤسسات نفسها: هل تستطيع البنية التقنية للذكاء الاصطناعي الانتقال من تقديم الرؤى إلى تنفيذ الإجراءات بشكل مستقل، أم أنها تكتفي بإصدار التوصيات؟ وأين تتم الحوكمة؟ هل عند تنفيذ القرار بواسطة الذكاء الاصطناعي، أم بعد مراجعته من قبل الإنسان؟

وتختلف منصة الذكاء الاصطناعي الموحدة عن الحلول المنفصلة والوكلاء المستقلين في عدة جوانب. فبفضل ارتباطها بعدد كبير من الأنظمة، تستطيع تنسيق سير العمل واتخاذ قرارات تعتمد على السياق بما يضيف قيمة حقيقية للأعمال.

وفي معظم حالات الاستخدام الحالية، يتوقف دور الذكاء الاصطناعي عند تقديم توصية تتطلب تدخلاً بشرياً. أما المنصة الموحدة، فتستطيع إكمال سير العمل حتى نهايته الفعلية، عبر الربط بين الأنظمة والإدارات المختلفة. فقد تتمكن من معالجة مشكلة تقنية، أو تحديث بيانات أحد العملاء في نظام إدارة علاقات العملاء (CRM) استناداً إلى سلوكه.

كما تدمج هذه المنصات الحوكمة في لحظة التنفيذ، إذ تفرض على نماذج الذكاء الاصطناعي الرجوع إلى السياسات المؤسسية عند التعامل مع الأنظمة والأصول والهويات الرقمية.

وتوفر أيضاً مستوى أعلى من المساءلة من خلال الجمع بين سير العمل الحتمي (Deterministic Workflows) والذكاء الاصطناعي الاحتمالي (Probabilistic AI). وتشير كونستانتينيديس إلى أن كثيراً من الوكلاء الحاليين يعتمدون على الاحتمالات وحدها، بينما تضمن المنصة الموحدة أن تكون جميع القرارات متوافقة مع السياسات وقابلة للتدقيق بشكل كامل.

وكما تتعلم نماذج اللغات الكبيرة من محتوى الإنترنت، تتعلم المنصة الموحدة تدريجياً من سياق المؤسسة نفسها، فتفهم طريقة عملها داخلياً وخارجياً مع مرور الوقت.

تجرأ على التخيل

ترى كونستانتينيديس أن المؤسسات الرائدة في الذكاء الاصطناعي ستكون تلك التي تتخيل شكل أعمالها بعد اكتمال رحلة التحول بالذكاء الاصطناعي. فهذا التصور سيدفعها إلى طرح الأسئلة الصحيحة حول البنية التقنية، ومدى قدرتها على دعم نمو الذكاء الاصطناعي وتشغيله بثقة وعلى نطاق واسع مع الحفاظ على الحوكمة.

كما تؤكد أهمية الدمج بين الذكاء الاصطناعي والأشخاص المناسبين، ليس فقط لرفع الإنتاجية، بل أيضاً لتهيئة بيئة تعزز الإبداع، وتولد قيمة جديدة، وتقود إلى تغيير حقيقي.

وتختتم بأن المؤسسات التي تقود هذا التحول ستبني فرق عمل جديدة تجمع بين البشر والذكاء الاصطناعي، وستخلق مصادر جديدة للقيمة، وتعيد تصور طبيعة العمل وتجربة الموظفين في المستقبل.

بقلم: جيسيكا كونستانتينيديس، مسؤولة الابتكار لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في ServiceNow.