Home » رأي الخبراء » أكبر اختبار للذكاء الاصطناعي لا يجري في وادي السيليكون

في وقت سابق من هذا العام، أعلنت حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة عن واحدة من أكثر المبادرات جرأةً في العالم بمجال الذكاء الاصطناعي. فخلال عامين، ستعمل نصف العمليات الحكومية الاتحادية بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي الوكيلي. كما كُلِّفت خمسون جهة حكومية بتحويل خدمة واحدة على الأقل مدعومة بالذكاء الاصطناعي من مرحلة الفكرة إلى التشغيل الفعلي خلال 90 يوماً. ويُعد هذا هدفاً طموحاً، لكنه ربما ليس مفاجئاً بالقدر الذي يبدو عليه للوهلة الأولى، إذ يعكس توجهاً آخذًا في التشكل على مستوى منطقة الشرق الأوسط.

وفي كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، تُظهر الأبحاث أن المؤسسات في البلدين تُصنَّف بالفعل ضمن أكثر الجهات تقدماً في العالم في تبني الذكاء الاصطناعي الوكيلي. والأهم من ذلك أن القطاعين العام والخاص في كلا السوقين يتحركان بوضوح في الاتجاه نفسه، حيث تعمل الحكومات على دمج الذكاء الاصطناعي في الخدمات العامة، بينما تسرّع الشركات نشره عبر عملياتها المختلفة.

ويشير هذا التقارب إلى ما هو أبعد من مجرد الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي، إذ تعمل المنطقة فعلياً على بناء البنية التحتية الأساسية اللازمة لتمكين الذكاء الاصطناعي من العمل بكفاءة وموثوقية على نطاق واسع، وهي طبقة لم تبدأ العديد من الأسواق الأخرى في التعامل معها بعد.

لم يعد التحدي الحقيقي هو الذكاء الاصطناعي

على مدى السنوات القليلة الماضية، تمحور النقاش حول الذكاء الاصطناعي حول النماذج نفسها، ومدى قدراتها، وحالات الاستخدام التي تتيحها. إلا أن الذكاء الاصطناعي الوكيلي غيّر هذه المعادلة. فعلى عكس الأنظمة التي تكتفي بإنشاء المحتوى أو تقديم التوصيات، يتخذ الذكاء الاصطناعي الوكيلي قرارات وينفذ إجراءات بشكل مستقل، ما يعني أن كل قرار يعتمد على معلومات دقيقة وفورية، وليس على بيانات الأمس أو التحديثات المجمعة التي تتم بين عشية وضحاها. وينقل ذلك التركيز من النموذج نفسه إلى البيانات التي تغذيه، وتحديداً إلى تدفق البيانات في الوقت الفعلي (Real-Time Data Streaming)، أي الحركة المستمرة للمعلومات لحظة وقوع الأحداث، بما يمنح التطبيقات والأنظمة ونماذج الذكاء الاصطناعي رؤية موحدة وآنية للأعمال. وبالنسبة للذكاء الاصطناعي المستقل، أصبح ذلك اليوم ضرورة معمارية لا غنى عنها.

ويظهر هذا التحول بالفعل في أولويات الاستثمار. فعلى المستوى العالمي، تمنح المؤسسات الذكاء الاصطناعي وتدفق البيانات أهمية استراتيجية متقاربة. أما في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، فقد أصبح تدفق البيانات يتقدم بفارق واضح، إذ يعتبره نحو تسعة من كل عشرة من قادة تقنية المعلومات أولوية استراتيجية. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً في المنطقة بأن أكبر عقبة أمام توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي لا تكمن في قدرات النماذج نفسها، بل في جودة البيانات التي تعتمد عليها، ومدى توافرها، وسرعة تدفقها.

ولم يتحقق هذا المستوى من الجاهزية بين ليلة وضحاها. فعلى مدى أكثر من عقد، استثمرت حكومات دول الخليج في تبني الحوسبة السحابية، والحكومة الرقمية، والمدن الذكية، والبنية التحتية المتصلة. ورغم أن هذه البرامج لم تُصمم في الأصل كمبادرات للذكاء الاصطناعي، فإنها أرست بهدوء الأسس الرقمية الفورية والمترابطة التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي الوكيلي اليوم.

وأصبح هذا الاستثمار المبكر والمدروس يشكل اليوم ميزة تنافسية حقيقية. فقد تمكنت العديد من المؤسسات في مختلف أنحاء المنطقة من بناء منصات حديثة تعتمد منذ البداية على البيانات الحية والمترابطة، بدلاً من إعادة تهيئة بنى تقنية صُممت لعصر مختلف. وهذه هي القاعدة الأساسية التي يتطلبها تشغيل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.

الذكاء الاصطناعي التشغيلي يتطلب بيانات تشغيلية

ومع ذلك، لا يعني هذا أن العمل الصعب قد انتهى. فما يزال ثلثا قادة تقنية المعلومات في كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية يعتبرون جودة البيانات والبنية التحتية من أبرز العقبات أمام توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي الوكيلي. وإذا كان هناك ما يدعو إلى التفاؤل، فهو أن هذا الواقع يشير إلى أن المؤسسات تدرك تماماً أين تكمن التحديات الحقيقية.

فالمشروعات التجريبية يمكنها التعايش مع بيانات غير مكتملة، أو تدخل بشري، أو حتى بعض الأخطاء العرضية. أما الذكاء الاصطناعي التشغيلي فلا يملك هذا الترف. فعندما تبدأ الأنظمة المستقلة في اتخاذ قرارات تؤثر في العملاء أو الموظفين أو الخدمات العامة، تصبح الثقة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بجودة البيانات التي تستند إليها تلك الأنظمة. وعندها، لا تعود البنية التحتية الموثوقة مجرد مسألة تقنية، بل تصبح متطلباً أساسياً للأعمال.

ومن المشجع أن المنطقة تبدو وكأنها تستجيب لهذه المتطلبات. إذ يرى معظم قادة تقنية المعلومات في الإمارات والسعودية أن تحسين قدرات معالجة البيانات في الوقت الفعلي سيسرّع من تبني الذكاء الاصطناعي الوكيلي، ويزيد من العائد على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. ويؤكد ذلك أن البنية التحتية لم تعد عنصراً يُعالج بعد نشر حلول الذكاء الاصطناعي، بل أصبحت جزءاً أساسياً من استراتيجية الذكاء الاصطناعي نفسها.

رسم ملامح النموذج العالمي

تعكس المبادرات والاستثمارات في مختلف أنحاء المنطقة، بما في ذلك توجه حكومة دولة الإمارات نحو الذكاء الاصطناعي الوكيلي، هذا التحول بوضوح. فالأمر لم يعد يقتصر على تشجيع التجارب في مجال الذكاء الاصطناعي، بل أصبح يتمحور حول تهيئة البيئة التي تسمح بدمج الذكاء الاصطناعي في تقديم الخدمات العامة بشكل يومي. كما تسير المؤسسات في مختلف أنحاء الشرق الأوسط في الاتجاه نفسه، متجاوزة مرحلة التجارب إلى مرحلة التشغيل الفعلي.

وقد وضع ريادة المنطقة في مجال الذكاء الاصطناعي الوكيلي الشرق الأوسط في دائرة الاهتمام العالمية. لكن الإشارة الأهم تكمن فيما سيحدث بعد ذلك. فإذا كان الذكاء الاصطناعي سيواصل تسارع نموه، فلا بد أن يتصدر تدفق البيانات في الوقت الفعلي المشهد، بدلاً من أن يُنظر إليه كعنصر ثانوي يُضاف لاحقاً. وقد أظهرت منطقة الشرق الأوسط نضجاً واضحاً في الجانبين، إذ سرعت وتيرة تبني الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه عملت على بناء البنية التحتية القادرة على دعمه واستدامته. وستكون السنوات القليلة المقبلة جديرة بالمتابعة عن كثب. وإذا نجحت المنطقة في تحقيق ذلك، فلن تكون دول الخليج قد اكتفت بتبني الذكاء الاصطناعي مبكراً، بل ستكون قد وضعت النموذج الذي سيحتذي به العالم.

بقلم: كريم أزار، نائب الرئيس المساعد والمدير العام لشركة Confluent في الشرق الأوسط.