Home » رأي الخبراء » أي دول ستقود سباق الذكاء الاصطناعي خلال العقد المقبل؟

لم يعد الذكاء الاصطناعي تقنية جديدة تنتظر لحظة انطلاقها، بل أصبح اليوم العامل الحاسم الذي يقود سباق الذكاء الاصطناعي، والتنافسية الاقتصادية العالمية، والتحول الصناعي، وتعزيز مرونة الدول.

وخلال العقد المقبل، لن تكون الدول الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر عدد من السكان أو أقدم تاريخ في الابتكار التكنولوجي. بل إن الحكومات القادرة على الدمج بين السياسات الإبداعية، والبنية التحتية الرقمية، واستقطاب المواهب، والقدرة على نشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي بسرعة وعلى نطاق واسع عبر مختلف قطاعات الاقتصاد، هي التي ستتقدم المشهد.

على مدى سنوات، انحصرت النقاشات حول قيادة الذكاء الاصطناعي بين قوتين رئيسيتين: الولايات المتحدة والصين. ولا تزال الدولتان تستثمران مليارات الدولارات في أبحاث الذكاء الاصطناعي الأساسية، وابتكار أشباه الموصلات، والبنية التحتية السحابية، وتطوير الكفاءات. ولا يزال تأثيرهما على منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية كبيراً، مع شركات تقنية رائدة عالمياً تواصل تقديم ابتكارات تُحدث تحولات واسعة في مختلف القطاعات.

لكن تحولاً أكثر هدوءاً وأهمية يجري خلف الكواليس. إذ بدأت مجموعة جديدة من القوى المتوسطة الطموحة بإعادة صياغة معايير القيادة التقنية. وبدلاً من المنافسة على الحجم، تركز هذه الدول على المرونة، والاستثمارات الاستراتيجية، والتعاون بين القطاعين العام والخاص لتعزيز الابتكار في الذكاء الاصطناعي.

ومن بين هذه الدول الصاعدة، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج لافت لكيف يمكن للطموح الوطني، المدعوم بالاستثمار طويل الأمد، أن يحول الاقتصاد بسرعة إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي.

لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي العالمي يقتصر على تطوير النموذج التالي من الابتكار، بل أصبح يرتكز بشكل متزايد على سرعة التطبيق، وبناء بنية تحتية مرنة، واستقطاب المواهب العالمية، وإنشاء منظومات طويلة الأمد تدعم الابتكار عبر القطاعات.

ويجسد نهج دولة الإمارات هذا التوجه بشكل واضح.فمنذ وقت مبكر قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي أولوية عالمية في مجالس الإدارة، أدركت الإمارات أن هذه التقنية ستقود موجة جديدة من التنويع الاقتصادي. وكانت من أوائل الدول التي أنشأت منصب وزير دولة للذكاء الاصطناعي، في خطوة تعكس التزاماً يتجاوز السياسات الرمزية نحو رؤية استراتيجية متكاملة. وقد تطورت هذه الرؤية لاحقاً إلى مبادرات وطنية شاملة تغطي التعليم، والرعاية الصحية، والخدمات الحكومية، والنقل، والصناعة، والتمويل، والطاقة، والمدن الذكية.

وعلى عكس العديد من الدول التي تضع خططاً مستقبلية للذكاء الاصطناعي، ركزت الإمارات على التنفيذ الفعلي. حيث تم دمج الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية، والبنية التحتية الرقمية، وبرامج التحول المؤسسي، ما ساعد المؤسسات على الانتقال من مرحلة التجربة إلى تحقيق نتائج أعمال ملموسة، وبناء منظومة ناضجة تستقطب الشركات العالمية والمستثمرين والشركات الناشئة ومراكز الأبحاث.

ومن أبرز عوامل نجاح اقتصادات الذكاء الاصطناعي استعدادها للاستثمار في البنية التحتية قبل اكتمال الطلب. وهنا أظهرت الإمارات رؤية استباقية واضحة، إذ تتطلب نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة بنية تحتية مختلفة جذرياً عن الحوسبة التقليدية، تشمل مجموعات وحدات معالجة الرسوميات (GPU)، والشبكات المتسارعة، وتقنيات التبريد المتقدمة، والخوادم عالية الكثافة، والهياكل الموفرة للطاقة.

وفي شركة ASUS، يمكن ملاحظة هذا التحول يومياً.فقد تغيرت طبيعة المحادثات مع عملاء المؤسسات بشكل كبير خلال العامين الماضيين. فلم يعد السؤال هو ما إذا كان يجب الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، بل متى يمكن تنفيذ بنية تحتية جاهزة له مع ضمان قابلية التوسع، والأمن، والاستدامة.

ومع توسع المؤسسات في تبني الذكاء الاصطناعي، تصبح قرارات البنية التحتية أكثر أهمية. إذ تحتاج الشركات إلى منصات تدعم تطبيقات متعددة للذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على الكفاءة التشغيلية.

وهنا تتحول البنية التحتية إلى ميزة تنافسية بحد ذاتها.لا يقتصر تركيز ASUS على الخوادم عالية الأداء فحسب، بل تمتد شراكاتها مع المؤسسات لبناء منظومات جاهزة للذكاء الاصطناعي تركز على الاستقرار، وقابلية التوسع، والكفاءة التشغيلية طويلة الأمد. وسواء في دعم نشرات الذكاء الاصطناعي المؤسسية، أو بيئات الحوسبة الضخمة، أو المؤسسات البحثية، أو برامج التحول الرقمي الحكومي، فإن محفظة البنية التحتية لدى ASUS مصممة لتلبية احتياجات أعباء العمل المتغيرة للذكاء الاصطناعي.

ويمثل إدخال الأنظمة المعتمدة على معمارية NVIDIA Blackwell، وخوادم الذكاء الاصطناعي المتسارعة، وتصميمات “مصانع الذكاء الاصطناعي” المتكاملة خطوة جديدة نحو جاهزية المؤسسات للذكاء الاصطناعي، من خلال تقليل تعقيد النشر وتسريع تحقيق القيمة من الاستثمارات.

لكن البنية التحتية وحدها لا تحدد الدول المسيطرة على اقتصاد الذكاء الاصطناعي.فالمواهب عنصر لا يقل أهمية.الدول التي تنجح في تطوير الكفاءات عبر الجامعات، ومراكز الأبحاث، والشركات الناشئة، والمؤسسات الكبرى، ستحقق ميزة تنافسية كبيرة. فالذكاء الاصطناعي يخلق طلباً على وظائف جديدة كلياً، مثل مهندسي الذكاء الاصطناعي، ومعماريي البنية التحتية، وعلماء البيانات، ومهندسي الأوامر، وخبراء الأمن السيبراني، وباحثي التعلم الآلي، وخبراء حوكمة الذكاء الاصطناعي.

والدول التي تستثمر اليوم في تطوير المهارات المستمرة ستكون أكثر قدرة على جذب الاستثمارات العالمية مستقبلاً.مرة أخرى، تقدم دولة الإمارات نموذجاً مهماً في هذا المجال.ففي قطاع الرعاية الصحية، يستخدم الأطباء الذكاء الاصطناعي في التشخيص والطب المخصص. وفي القطاع المالي، يُستخدم لتحسين كشف الاحتيال وتجربة العملاء. وفي التصنيع، يتم تحسين الإنتاج عبر الصيانة التنبؤية والأتمتة الذكية. كما تستخدم الحكومات الذكاء الاصطناعي لتحسين الخدمات العامة، بينما تعتمد شركات الطاقة عليه لرفع الكفاءة التشغيلية وتحقيق أهداف الاستدامة.

إن المقياس الحقيقي لقيادة الذكاء الاصطناعي لا يتمثل في عدد الشركات الناشئة، بل في مدى اندماج هذه التقنية داخل الاقتصاد ككل.ومن العوامل المؤثرة أيضاً تصاعد أهمية القدرات السيادية في الذكاء الاصطناعي، حيث تدرك الحكومات أن البنية التحتية الحيوية لا يمكن أن تعتمد كلياً على أطراف خارجية. وأصبحت سيادة البيانات، والأمن السيبراني، والامتثال التنظيمي، والمرونة الاستراتيجية عناصر أساسية في تطبيق الذكاء الاصطناعي.

لذلك، تستثمر العديد من الدول في قدرات حوسبة محلية، ومنصات سحابية سيادية، ومراكز بيانات إقليمية، وبيئات آمنة قادرة على تشغيل أعباء العمل الحكومية والمؤسسية الحساسة.ويفتح هذا الاتجاه فرصاً كبيرة لمزودي البنية التحتية القادرين على تقديم منصات موثوقة وقابلة للتوسع وآمنة.

وقد استثمرت ASUS بشكل مستمر في هذا المستقبل عبر الابتكار في الخوادم المؤسسية، والحوسبة المعتمدة على وحدات GPU، والتخزين الذكي، وحلول الشبكات، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، لدعم المؤسسات في جميع مراحل تحولها الرقمي.

كما توفر شراكات ASUS مع عمالقة التكنولوجيا حلولاً متكاملة تسهل التنفيذ مع الحفاظ على الأداء المؤسسي والموثوقية والأمان.

وتتزايد متطلبات الحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي بشكل متسارع، حيث يتطلب تدريب النماذج الكبيرة كميات هائلة من الطاقة، مما يفرض ضغوطاً إضافية على مراكز البيانات لزيادة الكفاءة دون التأثير على الأداء.

ويتعين على الدول الساعية لقيادة الذكاء الاصطناعي تحقيق توازن بين الابتكار وتطوير البنية التحتية المستدامة، وهو ما يدفع نحو تقدم كبير في تصميمات الخوادم الموفرة للطاقة، وتقنيات التبريد السائل، وإدارة الأحمال الذكية، وتصميم مراكز بيانات معيارية.

الاستدامة ليست خياراً ثانوياً في ASUS، بل جزء أساسي من استراتيجية البنية التحتية، عبر منصات تحقق أعلى كثافة حوسبية مع تحسين كفاءة الطاقة، ما يسمح بتوسيع نطاق الذكاء الاصطناعي بشكل آمن ومستدام.

كما يشكل التعاون عنصراً محورياً في اقتصادات الذكاء الاصطناعي الناجحة، وقد نجحت الإمارات في بناء منظومات تعاونية تجمع بين الشركات العالمية، وصناديق الاستثمار السيادية، والجهات الحكومية، والمؤسسات الأكاديمية، والشركات الناشئة، ما سرّع تبني الذكاء الاصطناعي بشكل غير مسبوق.

وفي هذا السياق، توفر ASUS البنية التحتية الأساسية التي تمكّن العملاء من الابتكار بثقة، سواء في تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، أو المصانع الذكية، أو الأبحاث العلمية، أو مبادرات الحكومة الرقمية.

ومع انتقال أعباء العمل بين مختلف القطاعات، تصبح هذه المرونة عاملاً حاسماً.ومن المتوقع أن تتشارك الدول الرائدة في الذكاء الاصطناعي مجموعة من السمات، تشمل بنية تحتية رقمية متقدمة، وقوى عاملة مؤهلة، وأطر تنظيمية تدعم الابتكار، وقدرات سيادية في الحوسبة، وتركيزاً على الاستدامة، إضافة إلى تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص.

وتثبت الإمارات بسرعة قدرتها على دمج هذه العناصر ضمن رؤية وطنية واحدة متكاملة.وفي ظل هذا التحول المتسارع، فإن المؤسسات التي تؤخر تحديث بنيتها التحتية قد تجد نفسها متأخرة عن المنافسين الذين يبنون بالفعل بيئات جاهزة للذكاء الاصطناعي.

ولهذا فإن قرارات اليوم ستحدد مرونة الشركات وقدرتها التنافسية في المستقبل.وتلتزم ASUS بدعم الشركات والحكومات والمؤسسات البحثية ومزودي الخدمات السحابية في المنطقة، عبر تمكين تبني الذكاء الاصطناعي من خلال محفظتها المتنامية من الخوادم المحسّنة للذكاء الاصطناعي، وحلول البنية التحتية المؤسسية، والشراكات التقنية الاستراتيجية.

إن الفجوة الكبرى في الذكاء الاصطناعي ليست جغرافية فقط، بل هي فجوة جاهزيةوخلال العقد المقبل، ستظهر قوى جديدة في عالم الذكاء الاصطناعي. وبينما ستظل القوى التقنية التقليدية مهيمنة، فإن دولاً مثل الإمارات تثبت أن الرؤية والمرونة والتنفيذ الاستراتيجي قادرون على إعادة تشكيل خريطة الابتكار العالمية.

بقلم: جيف جاكوب – قائد تطوير الأعمال الإقليمي (ISBG)، ASUS الشرق الأوسط وأفريقيا