Home » رأي الخبراء » الذكاء الاصطناعي المؤسسي في الشرق الأوسط وأفريقيا: لم يعد مجرد تقديم المساعدة كافيًا

اتبعت معظم عمليات نشر الذكاء الاصطناعي في المؤسسات النهج نفسه: تحديد عملية معقدة أو مرهقة، وإضافة روبوت محادثة أو مساعد ذكي (Copilot)، ثم قياس الوقت الذي تم توفيره واعتبار ذلك نجاحًا. قد يكون هذا بداية منطقية، لكنه لا يمثل تحولًا حقيقيًا.

وبعد عامين من الطفرة التي شهدها الذكاء الاصطناعي المؤسسي، بدأت حقيقة مهمة تتضح. فقد نجحت أدوات الإنتاجية في جعل بعض المهام الفردية أكثر كفاءة، لكنها لم تُحدث تغييرًا جوهريًا في البنية العميقة لكيفية إنجاز العمل داخل المؤسسات.

السؤال الذي ينبغي على قادة المؤسسات طرحه اليوم ليس: كيف يمكننا إضافة المزيد من الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف تبدو العمليات التشغيلية المصممة أساسًا حول الذكاء الاصطناعي (AI-Native Operations)؟ وهل نحن نبني بالفعل نحو هذا النموذج الجديد، أم أننا نكتفي بإضافة طبقات جديدة فوق نموذج تشغيلي وصل بالفعل إلى حدوده القصوى؟

مشكلة الحلول المجزأة

تحت ضغط إثبات التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي، سارعت العديد من المؤسسات في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا إلى نشر حلول منفصلة عبر مختلف الإدارات دون وجود بنية تشغيلية متماسكة تربط بينها. وكانت النتيجة مزيجًا من الأدوات المتفرقة التي لا تشارك السياق نفسه، ولا تعزز عمل بعضها البعض، وبالتالي لا تحقق قيمة تراكمية مستدامة على المدى الطويل.

وغالبًا لا تكمن المشكلة في التكنولوجيا نفسها، بل في الأساس الذي تُبنى عليه هذه التكنولوجيا. فعندما يتم دمج الذكاء الاصطناعي مع أنظمة قديمة ومجزأة، ومنفصلة عن السياسات الفعلية للمؤسسة، وهياكل الموافقات، وسجل المعاملات، ومنطق الأعمال، فإنه ينتج توصيات قد تبدو ذكية في العروض التوضيحية، لكنها تفشل عند التطبيق الفعلي.

فمن دون سياق تشغيلي موحد، لا يستطيع الذكاء الاصطناعي فهم طبيعة أعمال المؤسسة أو الاستدلال بناءً عليها. وكل ما يمكنه فعله هو تحليل البيانات التي تشبه تلك الأعمال، لا الأعمال نفسها.

من أنظمة حفظ السجلات إلى أنظمة تحقيق النتائج

لقد خدم النموذج السائد لبرمجيات المؤسسات، القائم على اعتبار البرمجيات أنظمة لحفظ السجلات، المؤسسات بكفاءة على مدى عقود. إلا أنه صُمم لعصر مختلف كانت فيه المهمة الأساسية للتكنولوجيا هي جمع المعلومات وتخزينها واسترجاعها. أما اليوم، فقد أصبحت حدود هذا النموذج واضحة بشكل متزايد.

ويتمثل النموذج القادم في تحويل البرمجيات إلى «أنظمة لتحقيق النتائج». فبدلًا من أن تظل البيانات مخزنة بشكل سلبي إلى أن يسترجعها المستخدم، ينبغي أن تعمل تطبيقات المؤسسات بشكل استباقي على دفع الأعمال إلى الأمام من خلال التنسيق بين الإدارات، واكتشاف المشكلات قبل ظهورها، ومحاكاة المفاضلات والخيارات المختلفة في الوقت الفعلي، ودفع العمليات التشغيلية بشكل مستمر حتى في غياب المستخدمين.

ولا يتعلق الأمر هنا بروبوت محادثة يمتلك ذاكرة أفضل، بل ببنية تشغيلية مختلفة جذريًا تعتمد على فرق من وكلاء الذكاء الاصطناعي المتخصصين، حيث يؤدي كل وكيل دورًا محددًا ويعمل ضمن هدف تجاري مشترك.

فعلى سبيل المثال، في مفاوضات الموردين، يمكن لوكيل ذكاء اصطناعي إعداد طلبات عروض الأسعار، بينما يتولى وكيل آخر مقارنة أداء العروض المقدمة، ويقوم وكيل ثالث بالتوصية بقرارات الترسية. ويعمل كل منهم وفق هدف واضح، سواء كان خفض تكاليف الموردين بنسبة 15% أو تقليص فترات التوريد. فهؤلاء الوكلاء لا ينفذون المهام فقط، بل يستدلون ويتخذون القرارات باتجاه تحقيق هدف محدد.

إعادة التفكير في دور الإشراف البشري

أحد أهم الأسئلة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء (Agentic AI) ليس سؤالًا تقنيًا، بل تنظيميًا: ما مقدار الاستقلالية التي ينبغي منحها للذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة؟ وما نوع القرارات التي يمكن أن يتولاها؟

وتختلف الإجابة وفقًا لطبيعة العمل. فبعض العمليات تتطلب موافقة بشرية في كل خطوة، خاصة عندما تكون المخاطر مرتفعة أو العلاقات الحساسة عنصرًا أساسيًا فيها. وفي المقابل، يمكن لعمليات أخرى أن تعمل بشكل شبه مستقل ضمن ضوابط محددة، مع تصعيد الحالات الاستثنائية فقط إلى البشر لاتخاذ القرار النهائي.

ومع اكتساب المؤسسات مزيدًا من الثقة في أداء أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، يمكنها التوسع تدريجيًا في منح هذه الأنظمة قدرًا أكبر من الاستقلالية، بناءً على نتائج مثبتة وموثوقة.

وعلى أرض الواقع، ينعكس ذلك على طبيعة يوم العمل للموظفين. فمدير التمريض المسؤول عن مئات الموظفين، على سبيل المثال، لن يضطر إلى استنزاف جهده الذهني في إدارة الجداول الزمنية، وطلبات الإجازات، ومتطلبات الاعتماد، والالتزامات التنظيمية.

إذ يمكن تصميم نظام ذكاء اصطناعي قادر على تحليل جميع هذه العوامل في الوقت نفسه، وتقييم التأثيرات المحتملة للقرارات المختلفة، ثم تقديم التوصية الأنسب لاعتمادها من قبل مدير التمريض.

وفي هذا النموذج، لا يتم استبدال الخبرة البشرية، بل يتم تخفيف العبء الذهني عنها، مما يتيح للمتخصصين التركيز على القرارات ذات القيمة الأعلى.

الميزة التنافسية الحقيقية

في سباق تبني الذكاء الاصطناعي، من السهل اعتبار السرعة المقياس الرئيسي للطموح. لكن المؤسسات التي ستقود المرحلة المقبلة ليست بالضرورة الأسرع في التحرك، بل تلك التي تبني على الأسس الصحيحة.

فالميزة التنافسية المستدامة في الذكاء الاصطناعي المؤسسي تأتي من عمق السياق التشغيلي؛ أي من أنظمة ذكاء اصطناعي لا تكتفي بفهم الأنماط العامة، بل تستوعب السياسات الخاصة بالمؤسسة، ومسارات الموافقات، وحدود المخاطر، ومنطق الأعمال الذي يحكم عملياتها.

وهذا السياق هو ما يحول التوصية العامة إلى توصية عملية وموثوقة يمكن الاعتماد عليها في اتخاذ القرار. كما أنه العامل الذي يميز بين المؤسسات التي اكتفت بنشر أدوات الذكاء الاصطناعي، وتلك التي نجحت بالفعل في إحداث تحول حقيقي في طريقة عملها.

وفي نهاية المطاف، ستتجه جميع المؤسسات نحو هذا المسار. ويبقى العامل الوحيد المتغير هو التوقيت، وحجم الفرص التي قد تخسرها المؤسسات لصالح منافسين بدأوا مبكرًا في بناء الأسس الصحيحة للذكاء الاصطناعي.

بقلم ليوبولدو بوادو لاما، نائب الرئيس الأول للشرق الأوسط وأفريقيا، Oracle.