Home » رأي الخبراء » تحولات الشرق الأوسط وإنفاق تقنية المعلومات: توقف أم إعادة توجيه؟

يشهد الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التحول الرقمي، حيث تعيد حالة عدم اليقين الجيوسياسي وتسارع تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي تشكيل أولويات الاستثمار في تقنية المعلومات لدى المؤسسات. وفي هذا الرأي الضيف، يناقش شيفكومار سوبرامانيام، الرئيس الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط في شركة QBurst، أسباب ضرورة إعادة تفكير المؤسسات في استثماراتها التقنية للحفاظ على قدرتها التنافسية.

وقال أحد مسؤولي تقنية المعلومات في إحدى المجموعات الإقليمية خلال إحاطة حديثة:

“كنا في منتصف برنامج تحول يمتد لثلاث سنوات”، مضيفاً: “الآن يسأل مجلس الإدارة ما الذي نحتاج فعلياً لإنجازه، وما الذي يمكننا تقليصه”.

ويبدو أن هذا السؤال، بصيغ مختلفة، يتكرر في معظم النقاشات الأخيرة بين قادة التقنية في أنحاء الشرق الأوسط. ومن المفهوم أن تتجه المؤسسات نحو الحذر، إذ يمكن ملاحظة ذلك اليوم بوضوح في تقييد الميزانيات غير الضرورية، وإعادة هيكلة برامج التحول، وتحول دورات اتخاذ القرار من أسابيع إلى أشهر.

لكن التحدي يكمن في أن المنظومة الأوسع لا تتوقف. فإعلان حكومة دولة الإمارات عن الانتقال إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في 50% من خدماتها وقطاعاتها وعملياتها خلال عامين لا يُعد مبادرة تقنية تقليدية، بل هو إعلان لطريقة جديدة في إدارة الحوكمة. هذه الأنظمة لا تكتفي بالمساعدة، بل صُممت للتحليل واتخاذ القرار والتنفيذ، بما ينقل الحكومة من دور “تسهيل الخدمات” إلى “تشغيلها”.

ومع التزام الحكومات بهذا المستوى من التوجه الحاسم، لا تستطيع المؤسسات البقاء في وضع الحذر لفترة طويلة. وقد حدث ذلك سابقاً مع الخدمات الإلكترونية، والاستراتيجيات المعتمدة على الهواتف الذكية، والتوسع السريع في منصات الحكومة الرقمية، حيث بدأت استجابة المؤسسات ببطء، ثم أصبحت التغيرات جزءاً من الحياة اليومية، وتحولت الميزة التنافسية إلى معيار أساسي.

ويظهر أثر هذا التحول بالفعل في ارتفاع توقعات المستخدمين، الذين باتوا يتعاملون مع خدمات حكومية أسرع وأكثر تخصيصاً وأعلى أتمتة، وينقلون هذه التوقعات إلى تعاملاتهم مع البنوك وشركات التأمين والاتصالات. وهكذا، لم يعد عامل السرعة أو التوافر ميزة تنافسية، بل أصبح أمراً مفترضاً.

كما تغيرت نقاشات مجالس الإدارة بشكل أعمق من مجرد إعادة ضبط مؤقتة. فبعد أن كانت الأولويات تركز على النمو وتحديث الأنظمة ودخول أسواق جديدة، أصبحت اليوم تترافق مع أسئلة تتعلق بالمخاطر الجيوسياسية، مثل الوصول إلى المناطق، وسرعة التعافي من الأزمات، والسيطرة على البيانات. وأصبحت قرارات الحوسبة السحابية تعتمد ليس فقط على التكلفة والتوسع، بل أيضاً على قابلية النقل واستعادة البيانات، فيما تحولت مسألة الأمن من جانب تقني إلى قضية أعمال استراتيجية.

ويعود جزء من تعقيد المشهد إلى عدم تجانس بيئة المؤسسات. فقد استثمرت بعض المؤسسات، خاصة في دولة الإمارات، بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، حيث اكتملت عمليات الانتقال إلى السحابة، وتم بناء منصات البيانات، وتشغيل القنوات الرقمية بالكامل. إلا أن شريحة واسعة من المؤسسات الأخرى، خصوصاً التكتلات القديمة والبنوك الإقليمية وعدد من المؤسسات في السعودية، لا تزال في منتصف رحلة التحول، حيث حدث التحديث على مستوى الواجهة أكثر من البنية الأساسية، ما يجعل إعادة بناء الأنظمة أمراً معقداً.

كما يشكل نقص الكفاءات عائقاً إضافياً، إذ إن مهندسي السحابة وبيانات الذكاء الاصطناعي نادرون ويشهدون منافسة شديدة وارتفاعاً في التكلفة.

ويعيد هذا الواقع تشكيل طريقة بناء البنية التحتية الرقمية، حيث أصبحت مراكز البيانات تُعامل كأصول استراتيجية. وفي كل من الإمارات والسعودية، لا تزال متطلبات السحابة السيادية محورية بفعل اللوائح وسياسات البيانات الوطنية، إلا أن المؤسسات بدأت تدرك أن الاعتماد على موقع جغرافي واحد يمثل مخاطر إضافية، ما دفعها إلى توزيع البنية عبر عدة مناطق لتعزيز المرونة.

كما يتم إعادة هيكلة البرامج التقنية نحو دورات أقصر، بحيث تظهر النتائج خلال 12 شهراً بدلاً من مشاريع تمتد لسنوات، في تحول يعكس رغبة مجالس الإدارة في نتائج ملموسة وسريعة.

ومن المتوقع أن تتسارع هذه التحولات مع دخول خدمات الحكومة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في دولة الإمارات إلى الحياة اليومية، ما سيزيد من ضغط التوقعات على جميع القطاعات الأخرى لمواكبة هذا المستوى من الأداء.

وفي المحصلة، لا يتعلق السؤال اليوم بما إذا كان يجب التوقف أو إعادة التوجيه، بل بمدى قدرة المؤسسات على مواكبة الاتجاه العام. فغالباً ما يأتي التحول في هذه المنطقة من الأعلى إلى الأسفل، حيث ترسم الحكومات المسار، ثم يعيد السوق تنظيم نفسه حوله.

بقلم: شيفكومار سوبرامانيام، الرئيس الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط، QBurst