Home » رأي الخبراء » قرارات البنية التحتية التي ستحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع

لم يعد تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في منطقة الخليج مجرد عملية تخطيط، إذ تلتزم الحكومات ومشغلو القطاع الخاص بضخ الاستثمارات بوتيرة متسارعة، مدفوعين بالأولويات الرقمية الوطنية، مثل رؤية 2030 والاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي لدولة الإمارات 2031، إلى جانب سرعة تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي نفسها. ولم يعد التحدي يتمثل في تحديد ما إذا كان ينبغي الاستثمار، بل في كيفية توسيع نطاق البنية التحتية بما يواكب هذه الوتيرة، من دون أن تصبح التكاليف غير قابلة للإدارة.

وتفرض هذه الضغوط نقاشًا أكثر انضباطًا حول التخزين. ورغم أن الحوسبة تتصدر عن حق النقاشات المبكرة حول البنية التحتية، فإن أكبر مشغلي أنظمة الذكاء الاصطناعي في العالم أدركوا بالفعل أن بنية التخزين لا تقل أهمية. ويؤثر الجمع بين تقنيات التخزين المختلفة بشكل مباشر في تكلفة البنية التحتية وأداء الذكاء الاصطناعي والقدرة على التوسع دون الحاجة إلى إعادة بناء البنية التحتية من الأساس.

مركز البيانات الحديث يعتمد على مستويات تخزين متعددة

يصوّر بعض العاملين في قطاع التخزين النقاش على أنه خيار ثنائي بين وحدات SSD وHDD. لكن هذا التصور لا يعكس طريقة عمل التخزين على نطاق واسع. إذ يعتمد أكبر مستخدمي التخزين في العالم، بما في ذلك مزودو الخدمات السحابية فائقة النطاق، استراتيجيات تخزين متعددة المستويات توازن بين الأداء والتكلفة الإجمالية للملكية عبر مختلف أعباء العمل، من خلال وضع البيانات على وسيط التخزين الأنسب لمتطلباتها.

وترتكز هذه البنية على ثلاث تقنيات رئيسية. إذ يتولى التخزين الفلاش التعامل مع التطبيقات التي تتطلب عددًا مرتفعًا من عمليات الإدخال والإخراج في الثانية (IOPS) وزمن وصول منخفض، حيث لا يمكن التنازل عن السرعة. أما الأشرطة المغناطيسية (Tape)، التي غالبًا ما يتم تجاهلها في هذه النقاشات، فلا تزال جزءًا أساسيًا من منظومة التخزين، إذ شكّلت ما يقل قليلًا عن 8% من سعة التخزين السحابية المركبة عالميًا في عام 2025. في المقابل، تخدم وحدات HDD النطاق الأوسع من أعباء العمل، وتمثل ما يقارب 80% من سعة مراكز البيانات السحابية المركبة عالميًا.

وبدلًا من كونها تقنيات متنافسة، تؤدي وحدات SSD وHDD والأشرطة المغناطيسية أدوارًا مختلفة وضرورية ضمن منظومة التخزين. وبالتالي، لا يتمثل السؤال في أي منها سيفوز، بل في كيفية الجمع بينها بذكاء.

وعلى المستوى المعماري، حيث تُقاس أحجام التخزين بمئات الإكسابايتات، بل وحتى بالزيتابايتات، يتيح التخزين متعدد المستويات للمؤسسات تحسين الأداء والكفاءة من حيث التكلفة في الوقت نفسه. ومن المتوقع أن يرتفع حجم البيانات التي يتم إنشاؤها عالميًا من 218.4 زيتابايت في عام 2025 إلى 718.5 زيتابايت في عام 2030، أي أكثر من ثلاثة أضعاف خلال خمس سنوات فقط. ومع توسع السوق الإجمالي بهذه الوتيرة، يتحول التركيز الاستراتيجي من اختيار التقنية إلى التوزيع الذكي للبيانات.

ويكتسب هذا الأمر أهمية مباشرة بالنسبة إلى منطقة الخليج. فمن المتوقع أن ينمو سوق مراكز البيانات في السعودية بنحو 20% سنويًا حتى عام 2031، فيما تسير الإمارات على مسار مماثل. وستحدد قرارات البنية التحتية التي يتم اتخاذها في المنطقة اليوم ما إذا كان هذا النمو سيكون مستدامًا اقتصاديًا، أم سيتحول إلى عبء مالي يصعب تحمله عند التوسع على نطاق واسع.

كيف يعمل التخزين متعدد المستويات؟

تاريخيًا، ارتبط التخزين بالتطبيقات الفردية، التي كانت تعمل عادةً على خادم واحد وتخدم غرضًا محددًا. وحتى حلول التخزين المتصل بالشبكة (NAS) وشبكات منطقة التخزين (SAN)، التي فصلت التخزين عن الحوسبة، صُممت عمومًا لتلبية احتياجات أعباء عمل محددة.

أما اليوم، فيعتمد التخزين على نطاق واسع بشكل متزايد على التخزين المحدد بالبرمجيات (SDS)، حيث يتم تجميع الموارد وإدارتها مركزيًا. وبدلًا من تخصيص سعة ثابتة لكل تطبيق، يعمل SDS على توفير الموارد ديناميكيًا وفقًا للطلب، ما يحسن الاستخدام الإجمالي ويقلل الهدر.

ويتيح هذا النهج تشغيل تقنيات تخزين مختلفة ضمن بيئة واحدة، بحيث تتعايش التطبيقات ذات متطلبات الأداء المتباينة بكفاءة. كما يدعم الحاجة المتزايدة إلى الاحتفاظ بالبيانات والوصول إليها لفترة طويلة بعد انتهاء أعباء العمل الأصلية، وهو أمر مهم بشكل خاص في بيئات الذكاء الاصطناعي. إذ تعتمد عمليات الاستدلال والاسترجاع والضبط الدقيق والحوكمة جميعها على بيانات مستمرة يمكن الوصول إليها عبر فترات زمنية طويلة.

وعمليًا، تجمع البنى متعددة المستويات عادةً بين نهجين. يعتمد بعضها على التخزين المؤقت (Caching)، إذ ينقل البيانات التي يتم الوصول إليها بشكل متكرر إلى مستويات التخزين الفلاش عالية الأداء، بينما تبقى البيانات الأقل نشاطًا على وحدات HDD. ويعتمد البعض الآخر على اتفاقيات مستوى الخدمة (SLA) التي تخصص أعباء العمل لمستويات تخزين محددة منذ البداية، بحيث تعمل التطبيقات عالية الأداء على وحدات الفلاش، وأعباء العمل الرئيسية على وحدات HDD، بينما تُخزن البيانات الأرشيفية أو الخاضعة لمتطلبات الامتثال على الأشرطة المغناطيسية.

وتتولى طبقة SDS تحديد موقع البيانات في كل مرحلة، مع إعادة موازنة الموارد بشكل مستمر لتحقيق أفضل مزيج ممكن من الأداء والتوافر والتكلفة. وفي بيئات الحوسبة فائقة النطاق، تتم هذه العملية بشكل مستمر وآلي. وعند العمل على نطاق واسع، لا يُعد التخزين متعدد المستويات نموذجًا نظريًا، بل هو الطريقة التي تعمل بها البنية التحتية فعليًا.

الذكاء الاصطناعي يسرّع الحاجة إلى التخزين متعدد المستويات

تفرض البنية التحتية للذكاء الاصطناعي متطلبات خاصة على بنية التخزين. إذ تولد أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة باستمرار بيانات تشغيلية يجب الاحتفاظ بها واسترجاعها وإدارتها ونقلها بين مستويات التخزين مع تغير قيمتها ومعدل الوصول إليها. ومع توسع تبني الذكاء الاصطناعي، أصبح التوزيع الذكي للبيانات متطلبًا أساسيًا في تصميم البنية المعمارية، وليس مجرد عملية لتحسين الأداء يمكن معالجتها بعد نشر الأنظمة.

وتوضح مشاريع البنية التحتية الإقليمية مدى سرعة تحول هذا المتطلب إلى واقع. إذ يتجه Stargate UAE AI campus نحو التوسع إلى قدرة تبلغ 5 غيغاواط، فيما تتوسع منظومة الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية في السعودية بوتيرة متسارعة. وسيواجه مزودو الخدمات الذين يدخلون هذه البيئات من دون استراتيجية للتخزين متعدد المستويات تحديات هيكلية على صعيد التكلفة والأداء، ستصبح معالجتها أكثر صعوبة كلما ازداد حجم البنية التحتية. وبالتالي، يجب أن تكون البنية التي تعمل بكفاءة في البداية مصممة أيضًا لتلبية متطلبات المرحلة التالية.

البنية المعمارية ترسم ملامح اقتصاديات البنية التحتية

أصبح التخزين متعدد المستويات معيارًا راسخًا في بيئات الحوسبة فائقة النطاق، لأنه يمثل الطريقة العملية الوحيدة لتحقيق التوازن بين متطلبات الأداء والاستدامة الاقتصادية طويلة الأجل عند العمل على نطاق واسع. وبالنسبة إلى السحابات السيادية ومشغلي المؤسسات وبرامج البنية التحتية الحكومية التي تتوسع حاليًا في منطقة الخليج، ينطبق المنطق نفسه، ولكن في مرحلة أبكر من النمو.

وستكون المؤسسات الأكثر قدرة على توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي بفاعلية هي تلك التي تتعامل مع بنية التخزين باعتبارها قرارًا استراتيجيًا، وليس مجرد خيار في عمليات الشراء. ويعني تصميم هذه البنية بالشكل الصحيح التخطيط لمكان وجود البيانات الذي ستحتاج إليه مستقبلًا، وليس فقط المكان الذي توجد فيه اليوم. فتكلفة تأجيل هذا القرار تتراكم بمرور الوقت، وكذلك الفائدة الناتجة عن اتخاذه بالشكل الصحيح.

بقلم أويس محمد، المدير الإقليمي ومدير المبيعات لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وتركيا والهند لدى WD