Home » المرأة في التكنولوجيا » كيف بنت ماي لي مسيرة مهنية طويلة في قطاع التكنولوجيا

ولدت ماي لي في مدينة داليان الساحلية شمال شرق الصين. ورغم أن أصول عائلتها ليست صينية، فإنها نشأت بالكامل في المجتمع والثقافة الصينية، حتى إنها تعتبر نفسها صينية في كثير من الجوانب.

وفي سنواتها الأولى، اتخذت والدتها قراراً كان له أثر كبير في مسيرتها، إذ أصرت على إلحاقها بمدرسة حكومية عادية بدلاً من مدرسة مخصصة للأقليات التي تنتمي إليها عائلتها. وكانت تؤمن بأن التعليم الصيني التقليدي سيوفر لها فرصاً أوسع ويسهم في بناء مستقبل أكثر قوة.

أما حياتها المدرسية، فكانت اعتيادية إلى حد كبير، لكنها لم تكن الطالبة المثالية. فقد كانت تميل إلى قضاء وقتها في الهواء الطلق أكثر من الجلوس داخل الصفوف الدراسية، حيث أمضت طفولتها تركض بين حقول الذرة، وتطارد الأرانب على الطرق الترابية، وتصطاد اليعاسيب خلال فصل الصيف. وهكذا، تشكلت سنواتها الأولى بالحركة والحرية والطبيعة أكثر مما تشكلت بالكتب والمناهج الدراسية.

مدينة كانت على موعد مع النمو

خلال أواخر ثمانينيات القرن الماضي وطوال التسعينيات، برزت داليان كواحدة من أكثر المدن الساحلية الواعدة في الصين. وبفضل مكانتها كمركز رئيسي للاستثمار الأجنبي وأحد أهم الموانئ على الساحل الشرقي، كانت التوقعات تشير إلى أنها ستصبح من أبرز مدن التنمية في البلاد. بل إن كثيرين رأوا أنها مرشحة لتكون النظير الشمالي لمدينة شنتشن الصاعدة آنذاك، والانضمام إلى قائمة المدن الصينية من الدرجة الأولى.

وقبل موجة الإصلاحات الاقتصادية الواسعة، كانت داليان قد رسخت مكانتها كقاعدة صناعية مهمة، واشتهرت بصناعات بناء السفن والآلات الثقيلة والبتروكيماويات، حيث أدت دوراً محورياً كمركز صناعي منذ منتصف القرن العشرين. وتميزت المدينة باستقرار فرص العمل للرجال والنساء على حد سواء، في ظل سياسة الدولة التي شجعت المساواة بين الجنسين، والتي جسدها الشعار الشهير لماو تسي تونغ: «النساء يحملن نصف السماء»، ما أسهم في حضور المرأة بقوة في المصانع والوظائف التقنية.

ومع انفتاح الصين على الاستثمارات العالمية، تحولت داليان إلى وجهة رئيسية للشركات اليابانية والكورية، حيث أنشأت علامات عالمية مثل Toshiba وPanasonic وSamsung قواعد إنتاج كبيرة فيها، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي، وكفاءة كوادرها، وقربها من أسواق شمال شرق آسيا.

وخلال العقود الأخيرة، ومع انتقال جزء من الصناعات التقليدية إلى المناطق المجاورة، أعادت داليان رسم ملامح اقتصادها لتصبح مركزاً متنامياً لقطاع تقنية المعلومات والاتصالات (ICT) والخدمات. وبدأت حدائق البرمجيات، ومراكز التعهيد، وشركات التكنولوجيا تهيمن على المشهد العمراني، في تحول يعكس انتقال المدينة من الاقتصاد الصناعي الثقيل إلى اقتصاد أكثر تنوعاً يقوم على المعرفة والابتكار.

البدايات الأولى مع التكنولوجيا

قادتها الدراسة الجامعية إلى مدينة شنيانغ، عاصمة مقاطعة لياونينغ، التي كانت آنذاك لا تزال تعتمد بشكل كبير على إرثها الصناعي القائم على تصنيع الآلات وصناعة المعادن والمصانع المملوكة للدولة.

لكن أوائل التسعينيات شهدت بداية تحول هادئ، إذ بدأت أجهزة الكمبيوتر الشخصية بالظهور في الجامعات الصينية، وتعرّفت ماي لي للمرة الأولى إلى أساسيات البرمجة وكتابة الأكواد. وتصف تلك التجربة بأنها كانت أشبه بالنظر عبر نافذة صغيرة نحو مستقبل بدأ يتشكل.

بعد تخرجها، انضمت إلى إحدى كبرى شركات الاتصالات في الصين، لتصبح جزءاً من مرحلة التحول الرقمي السريع التي شهدتها البلاد. وتركز عملها في البداية على نشر أنظمة المقاسم الرقمية، والمساهمة في بناء البنية الأساسية لشبكات الهاتف الثابت، في وقت كانت فيه الهواتف تتحول إلى عنصر أساسي في المنازل. ورغم أن العمل كان يتطلب مستوى عالياً من الخبرة التقنية، فإنه منحها شعوراً بأنها تشارك في بناء شبكة اتصال وطنية.

وفي عام 1998، انتقلت إلى دولة الإمارات للمشاركة في نشر شبكات الهاتف المحمول من الجيل الثاني (2G). وكانت المنطقة آنذاك تشهد بدورها تحولاً رقمياً متسارعاً، ما وسّع آفاقها المهنية خارج الصين، وأتاح لها للمرة الأولى إدراك الحجم العالمي لصناعة الاتصالات، وكيف يمكن للتكنولوجيا أن تعيد تشكيل المجتمعات.

مسار اختارها أكثر مما اختارته

تقول ماي لي إنها لم تتخذ قراراً واعياً بالعمل في قطاع التكنولوجيا، بل وجدت نفسها تنجرف إليه بحكم الظروف. فبعد تخصصها الجامعي في الاتصالات، بدا الانضمام إلى شركة تقنية أمراً طبيعياً، ولم تنظر إليه حينها باعتباره قراراً مصيرياً، بل مجرد الخطوة التالية في مسيرتها.

إلا أنها أدركت بعد سنوات مدى تأثير ذلك الاختيار في رسم ملامح حياتها المهنية وتوسيع نظرتها إلى العالم.

دروس من قطاع لا يتوقف عن التغيير

تلفت ماي لي إلى المفارقة في أنها لم تختر قطاع التكنولوجيا بنفسها، لكنه أصبح المجال الذي فرض عليها أكبر التحديات. ففي بداية مسيرتها، دخلته بحماس الشباب من دون أن تدرك حجم المتطلبات التي تنتظرها.

واليوم، تؤكد أن النجاح في هذا القطاع يتطلب التعلم المستمر بلا توقف، فالتقنيات تتغير بوتيرة متسارعة، وما يُعد معرفة حديثة اليوم قد يصبح قديماً بعد أشهر قليلة. وترى أن الفضول المعرفي عنصر أساسي، لكن الحفاظ عليه لعقود هو التحدي الحقيقي.

كما تنسب جانباً كبيراً من قدرتها على الصمود إلى والديها، اللذين غرسا فيها أهمية التعليم، والإصرار، والثقة بالنفس. وترى أن هذه القيم شكلت الأساس الذي استندت إليه طوال مسيرتها في قطاع سريع التغير.

وبالنظر إلى تجربتها، تؤمن بأن بناء قاعدة معرفية قوية هو مفتاح النمو طويل الأمد، لأن التقنيات والأدوات والاتجاهات تتغير باستمرار، بينما تبقى المبادئ الأساسية والقيم الراسخة ثابتة.

تمكين المؤسسات من التحول الرقمي

تشغل ماي لي اليوم منصب نائب الرئيس لتسويق الحلول في  Huawei الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، حيث رسخت مكانتها كمستشارة موثوقة في استراتيجيات التكنولوجيا، تساعد المؤسسات على رسم وتنفيذ رحلات التحول الرقمي والذكي.

ويتمحور دورها حول الربط بين الابتكار والتنفيذ، وتحويل التقنيات المعقدة إلى استراتيجيات عملية تحقق نتائج ملموسة للأعمال.

الشجاعة لمواصلة الطريق

تختتم ماي لي رسالتها باقتباس شهير لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل:النجاح ليس نهائياً، والفشل ليس قاتلاً، وإنما الشجاعة للاستمرار هي ما يصنع الفارق.”

وترى أن هذه العبارة ليست مجرد مقولة تاريخية، بل فلسفة عاشت تفاصيلها، إذ تؤمن بأن المثابرة، لا الكمال، هي التي ترسم مسيرة الإنسان وتحدد نجاحه على المدى الطويل.