Home » المرأة في التكنولوجيا » مؤسِسة تطوّر ذكاءً اصطناعياً يفهم لغة الصحة النفسية لدى الناطقين بالعربية

عندما تتحدث لطيفة العيسى، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لكل من “أيادي” و”نور“، عن تقنيات الصحة النفسية، سرعان ما يتجاوز الحديث حدود المنصات والمنتجات، ليتحول إلى نقاش أعمق حول اللغة والثقافة والذاكرة والفجوات غير المرئية بين الأفراد والأنظمة المصممة لدعمهم.

ولا يقتصر الأمر على العلاج الرقمي أو روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بل يمتد إلى تساؤل أوسع حول ما يحدث عندما تبقى مجتمعات كاملة محرومة تقنياً، ليس بسبب غياب الأدوات، بل لأن الأنظمة التي تقف خلفها لم تُصمم بالأساس لفهم الطريقة التي تعبّر بها تلك المجتمعات عن المشاعر والضيق والهشاشة الإنسانية. هذا الإدراك شكّل رحلة كل من “أيادي” و”نور”، وبدأ برسم ملامح رؤية أوسع لتطوير ذكاء اصطناعي متكيف ثقافياً، صُمم خصيصاً للعالم العربي وجالياته حول العالم

هذا الإدراك شكّل رحلة كل من “أيادي” و”نور”، وبدأ برسم ملامح رؤية أوسع لتطوير ذكاء اصطناعي متكيف ثقافياً، صُمم خصيصاً للعالم العربي وجالياته حول العالم.

تحديات تتجاوز إتاحة الرعاية والدعم

أطلقت لطيفة العيسى منصة “أيادي” في عام 2021، في وقت كان فيه التحدي الأبرز في المنطقة يتمثل في الوصول إلى خدمات دعم الصحة النفسية.

وقد كشفت خلفيتها في إعادة التأهيل الإدراكي، إلى جانب خبرتها الميدانية في الكويت وسوريا والمملكة المتحدة، عن مشكلة متكررة، حيث كان ملايين الناطقين باللغة العربية يواجهون صعوبة في طلب الدعم بسبب الوصمة الاجتماعية، وارتفاع التكاليف، وضعف البنية التحتية للصحة النفسية، ونقص الرعاية المتوافقة ثقافياً. وجاءت “أيادي” استجابة مباشرة لهذه التحديات.

فقد ربطت المنصة المستخدمين بشبكة إقليمية تضم 50 معالجاً واستشارياً نفسيّاً، مع توفير مواعيد خلال 24 ساعة، تركّز على الخصوصية، ومصممة وفق مفاهيم الفهم الثقافي وسهولة الوصول.

لكن مع تطور المنصة، تطورت أيضاً رؤية العيسى. ومع مرور الوقت، بدأت تدرك أن الوصول إلى الرعاية ليس سوى جانب واحد من التحدي.

ومع التوسع السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي في قطاع الرفاه والصحة النفسية، لاحظت العيسى أن معظم الأنظمة الناشئة يتم تدريبها بشكل أساسي على مجموعات بيانات باللغة الإنجليزية وافتراضات سلوكية غربية. أما اللغة العربية، فكانت موجودة في كثير من هذه الأنظمة كطبقة ترجمة فقط، وليس كإطار لغوي وثقافي مفهوم بعمق.

تقول العيسى: هذه الأنظمة قادرة تقنياً على ترجمة العربية، لكنها لم غير قادرة على فهم الطريقة التي يتم بها التعبير عن الضيق العاطفي عبر الثقافات واللهجات والمعايير الاجتماعية العربية. ومن هذه الفجوة انطلقت فكرة “نور”، وهي منصة ذكاء عاطفي تعتمد على الذكاء الاصطناعي ومصممة باللغة العربية.

لماذا تفشل أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية في فهم المستخدم العربي؟

بالنسبة للعيسى، فإن القضية أكثر تعقيداً من مجرد دعم اللغة، هي ترى أن التعبير عن الصحة النفسية مرتبط بشكل عميق بالثقافة.

وفي العديد من المجتمعات العربية، نادراً ما يتم التعبير عن الضيق النفسي بلغة مباشرة، إذ غالباً ما يعبّر الأفراد عن معاناتهم النفسية بشكل غير مباشر، من خلال الأعراض الجسدية أو الإشارات الدينية أو الفكاهة أو الانسحاب الاجتماعي أو التغيرات السلوكية، بدلاً من التصريح المباشر بأنهم يعانون من القلق أو الاكتئاب.

وتفشل معظم أنظمة الذكاء الاصطناعي العالمية في التقاط هذه الإشارات لأنها لم تُدرّب أساساً على هذه الأنماط التواصلية. وفي الوقت نفسه، تمثل اللغة العربية واحدة من أكثر البيئات اللغوية تعقيداً بالنسبة لنماذج اللغة الضخمة.

فاللغة العربية يتحدث بها أكثر من 400 مليون شخص عبر أكثر من 30 لهجة، تختلف العديد منها بشكل كبير من حيث المفردات والسياق الاجتماعي.

وتقول العيسى: يتم التعبير عن الحالة العاطفية نفسها بطرق مختلفة عبر هذه السياقات. والنظام الذي لا يفهم اللهجة أو مستوى الخطاب غالباً ما يفشل في فهم الشخص نفسه.

وفي البيئات التي ترتبط فيها الصحة النفسية بوصمة اجتماعية، حيث يكون الانفتاح بحد ذاته أمراً صعباً، فإن تجربة واحدة سيئة قد لا تؤدي فقط إلى خسارة المستخدم، بل إلى فقدانه ثقته الكاملة بإمكانية نجاح هذا النوع من الدعم.

ولهذا السبب، لا تعتبر العيسى الذكاء الاصطناعي المتكيف ثقافياً مجرد طبقة ترجمة تُضاف إلى الأنظمة الحالية، بل تصفه بأنه تحدٍ مختلف بالكامل في تصميم الذكاء الاصطناعي.

بناء “نور” حول الذاكرة والذكاء السلوكي

وعلى خلاف العديد من تطبيقات الصحة النفسية المتوفرة اليوم، لم تُصمم “نور” ضمن النماذج التقليدية المعتادة. فهي ليست منصة للمستشارين النفسيين، ولا أداة عامة قائمة على المحادثات الآلية لدعم الرفاهية. بل صُممت كمنصة عربية تركّز على الذكاء العاطفي، وموجّهة للشباب، وتعتمد على الذاكرة طويلة المدى، والتخصيص وفق السلوك، والقدرة على تقديم تفاعلات حوارية تتكيف مع احتياجات المستخدم.

ويجمع نظام المنصة بين الذكاء الاصطناعي التفاعلي، وتدوين اليوميات، وتتبع الحالة المزاجية، والتقييمات النفسية. ومع مرور الوقت، يبني فهماً أعمق لأنماط المستخدم السلوكية، بما يتيح تكييف أسلوب الحوار، وإيقاعه، وطريقة فهم المشاعر وتفسيرها بما يتناسب مع أنماط التفاعل طويلة المدى.

وغالباً ما تصف العيسى منصة “نور” بأنها نسخة رقمية منك داخل جيبك .ويتأثر هذا التصميم بشكل كبير بخلفيتها في مجال إعادة التأهيل الإدراكي.

وتوضح قائلة: “في مجال إعادة التأهيل، تدرك سريعاً أن الحالة العاطفية الأساسية للإنسان ليست ثابتة،” مشيرة إلى أن أساليب التقييم التقليدية الثابتة لا تنجح في التقاط التعقيد الذي يميز المشاعر الإنسانية.

ولهذا السبب، تركز منصة “نور” بشكل كبير على التخصيص الديناميكي والذاكرة الحوارية طويلة المدى. ويخلق ذلك طبقة من الذكاء العاطفي تتطور مع المستخدم بمرور الوقت، بدلاً من الاعتماد على مسارات علاجية جامدة أو أنظمة تقليدية تعتمد فقط على نمط السؤال والرد.

وقد وصلت البنية التعليمية للنظام إلى نطاق واسع. فحتى الآن، تعاملت المنصة مع أكثر من 16.2 مليون محادثة، ما ساهم في إنشاء واحدة من أكبر قواعد البيانات البحثية في المنطقة والمتخصصة في أنماط التفاعل العاطفي باللغة العربية.

وبالنسبة للعيسى، فإن هذه البيانات تمثل أكثر بكثير من مجرد نمو تشغيلي. فهي تشكل الأساس لتطوير تعلّم سلوكي متوافق ثقافياً، وهو أمر لا يمكن تحقيقه عبر مجموعات بيانات محدودة أو سطحية.

الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي المعني بالرفاه النفسي

تعتقد العيسى أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في مجال الرفاه النفسي لن يعتمد على بناء نماذج أكبر حجماً بقدر اعتماده على تطوير بنية تحتية تمتلك ذكاءً عاطفياً قادراً على التكيف الثقافي.

وترى أن معظم نماذج اللغة الضخمة الحالية يتم تحسينها بشكل أساسي لخدمة الإنتاجية أو البحث أو المحادثات العامة، بينما يتم تصميم عدد قليل جداً منها خصيصاً حول مفهوم الذكاء العاطفي المتكيف ثقافياً، خصوصاً للمجتمعات غير الناطقة باللغة الإنجليزية.

وترى العيسى أن هذه الفجوة تمثل فرصة طويلة الأمد لمنصة “نور”، لكنها في الوقت نفسه لا تنظر إليها كبديل عن الرعاية البشرية.

بل ترى أن “أيادي” و”نور” يشكلان عنصرين متكاملين ضمن منظومة أوسع، حيث تمثل “أيادي” جانب الرعاية البشرية، من خلال إتاحة الوصول إلى المستشارين النفسيين وتوفير نقطة دخول موثوقة لخدمات الصحة النفسية. أما “نور”، فتعمل إلى جانبها كمنصة ذكاء عاطفي مدعومة بالذكاء الاصطناعي، توفر دعماً يومياً، وتجارب مخصصة، وأنظمة ذاكرة متطورة، وتجربة سهلة الوصول للأفراد الذين قد لا يشعرون بعد بالاستعداد للعلاج النفسي، أو يحتاجون إلى مساندة بين الجلسات العلاجية. ومعاً، توسّع المنصتان نطاق الدعم والرفاه العاطفي بما يتجاوز ما يمكن لأي منهما تحقيقه بشكل منفرد.

خطط التوسع

ترى العيسى إمكانات كبيرة لتقنيات الذكاء الاصطناعي العاطفي في مجالات الرعاية الصحية والتعليم ورفاه الموظفين وأنظمة دعم الشباب.

ويركز عملها الحالي على تطوير الذكاء الحواري متعدد اللغات، وأنظمة الذاكرة، والنماذج السلوكية المتكيفة ثقافياً.ولدعم هذا التوسع، نجحت الشركة في جمع أكثر من 3 ملايين دولار من المستثمرين.

وبرزت المملكة المتحدة كسوق استراتيجية للمرحلة المقبلة من النمو. وتوضح العيسى أن المملكة المتحدة تضم واحدة من أكبر الجاليات العربية في أوروبا، كما تمتلك أحد أقوى الأنظمة البيئية عالمياً في مجال الابتكار الصحي وأبحاث الذكاء الاصطناعي المسؤول.

وذكرت أن العديد من المجتمعات الناطقة بالعربية في المملكة المتحدة لا تزال تواجه فجوات ثقافية ولغوية مشابهة في خدمات دعم الصحة النفسية، وهي التحديات ذاتها التي دفعت إلى تطوير منصة “نور” منذ البداية.

وأضافت: “ما أقدّمه للسوق اليوم هو شيء غير موجود حالياً، وهو نظام ذكاء اصطناعي صُمم وفق الواقع الثقافي واللغوي للطريقة التي يتحدث بها الناطقون باللغة العربية عن صحتهم النفسية.”

وتهدف العيسى إلى بناء أسس منظومة ذكاء اصطناعي تتمحور حول الطريقة التي يعبّر بها المتحدثون بالعربية عن المشاعر والهوية والسلوك، لتلبية احتياجات المنطقة وملايين الناطقين بالعربية حول العالم.