Home » المرأة في التكنولوجيا » Didem Eker : رحلة من الفضول والشجاعة

نشأت ديدم إيكر على شواطئ إزمير المشمسة، حيث تعلّمت سريعًا قيمة الحرية والتعليم والاستقلال. لم تكن شوارع هذه المدينة التركية العريقة مجرد موطن لها، بل كانت الخلفية التي صقلت عقلية قائمة على الفضول والعزيمة. تقول ديدم: “إزمير شكّلت شخصيتي. إنها مدينة تحتفي بالتنوع والتقدم، وهذا ما عزّز رغبتي في تخطي الحدود.”

منذ بدايات دراستها، فتحت اللغات الأجنبية لها أبوابًا امتدت إلى ما هو أبعد من تركيا. لكنها لم تقتصر على التحصيل الأكاديمي فقط؛ فقد منحتها صيفياتها على بحر إيجة بعضًا من أجمل ذكرياتها، حيث توازنت بين الدراسة الجادة والاستمتاع بالحياة، مما غرَس لديها تقديرًا مبكرًا لتناقضات الحياة بين الانضباط والفرح، وبين العمل والراحة.

 

من إزمير إلى إسطنبول: خطوة نحو المجهول

فإذا كانت إزمير قد أرست الأساس، فإن إسطنبول صقلت مهاراتها. انجذبت ديدم إلى الفرص الجديدة، وبدافع روحها المغامرة، غادرت مدينتها لتعيش تجربة الحياة السريعة في أكبر مدن تركيا. تقول: “لم يكن من السهل الانتقال بعيدًا عن عائلتي في سن مبكرة، لكن الدروس التي تعلمتها من خلال تنقلي في تعقيدات إسطنبول كانت لا تُقدَّر بثمن. أدركت لاحقًا أن هذا القرار كان تحضيرًا لي لمواكبة التغيرات السريعة في عالم التكنولوجيا.”

حصلت ديدم على شهادة في العلوم السياسية تُدرّس بالكامل بالفرنسية، مما جعل مسيرتها التعليمية غير تقليدية. ثم حصلت على منحة حكومية للدراسة في مدينة رين الفرنسية، وهي تجربة وسّعت رؤيتها للعالم. وتضيف: “العيش في الخارج يُعلّمك المرونة والتكيف، ويمنحك فهمًا حقيقيًا لمعنى التبادل الثقافي، وهو ما لا يزال يؤثر على طريقة عملي مع الأسواق المختلفة اليوم.”

لاحقًا، ومع وضوح مسارها المهني، اختارت ديدم التخصص في التسويق، حيث ركزت على سلوك المستهلك، وهو المجال الذي لا يزال يشكّل جوهر عملها حتى الآن. وتؤكد: “أنا دائمًا طالبة؛ سواء من خلال الكتب أو المقالات أو الخبرة العملية، هناك دائمًا شيء جديد لاستكشافه. وقد يكون الحصول على درجة الدكتوراه في الأفق.”

 

مسيرة مهنية أعادت لها التكنولوجيا تشكيل مسارها

لم تكن رحلة ديدم المهنية مخططة للانخراط في مجال التكنولوجيا. فمع خلفيتها متعددة اللغات، كانت مجالات مثل مستحضرات التجميل أو صناعة السيارات تبدو كخيارات طبيعية لها. لكن القدر قادها إلى طريق آخر، إذ كانت بوابتها إلى عالم تكنولوجيا المعلومات من خلال شركة “أدوبي تركيا”، ومنذ ذلك الحين لم تنظر إلى الوراء.

ومن هناك، شقت طريقها في مجال إدارة المنتجات والتسويق في شركة “بنتا تكنولوجي”، إحدى أبرز شركات توزيع تكنولوجيا المعلومات في تركيا. ومن خلال تعاونها مع عمالقة الصناعة مثل “أوتوديسك” و”أدوبي” و”مايكروسوفت” و”هواوي” و”إتش بي” و”لينوفو”، اكتسبت رؤية شاملة للنظام البيئي للتكنولوجيا وجوانبه المختلفة.

واليوم، وبعد ثلاث سنوات في منصبها كمديرة للتسويق الإقليمي في شركة “سيجيت”، أصبحت مسؤولة عن استراتيجيات التسويق في الإمارات العربية المتحدة وتركيا والمملكة العربية السعودية وجنوب إفريقيا والكويت وقطر وشمال إفريقيا. تعمل في بيئة متنوعة ومتطلبة، حيث يجب أن يتكامل الإبداع مع الاستراتيجية للتكيف مع خصوصيات كل سوق.

 

مواجهة التحديات والنمو من خلالها

العمل في مجال التكنولوجيا كامرأة ينطوي على تحدياته، لكن ديدم وجدت أن التعامل مع الاختلافات باحترافية واحترام يحوّل الصعوبات إلى فرص للتطور. وتوضح: “الأمر لا يتعلق بتجنب الصراعات، بل بكيفية إدارتها. التفاوض فن، وأهم مراحل النمو، سواء على المستوى الشخصي أو المؤسسي، تأتي عندما نواجه الخلافات بعقلية منفتحة وهدف واضح.”

وبعد أكثر من 15 عامًا في المجال، استخلصت درسًا جوهريًا: النجاح في الأعمال يعتمد على الناس. فالعلاقات الحقيقية والتواصل الواضح والقدرة على تحويل المشاكل إلى حلول هي المحركات الأساسية للنجاح المستدام.

 

قيادة التحول في سيجيت

في “سيجيت”، تقود ديدم جهود التسويق بما يتجاوز الحملات التقليدية. سواء من خلال إطلاق برامج شراكة استراتيجية أو تنظيم فعاليات كبرى مثل “جيتكس” و”إنترسيك”، أو التعاون مع شركاء تكنولوجيين مثل “ميلستون” و”كيو ناب” في القمم الإقليمية، فإنها تضمن وصول ابتكارات “سيجيت” إلى الجمهور المناسب.

ومن أبرز اللحظات في مسيرتها فوزها بجائزة “الحلول الأمنية التجارية المتميزة” في “إنترسيك 2025” عن تقنية “موزايك 3+” الثورية من “سيجيت”. لكن النجاح لا يُقاس بالجوائز فقط، بل بمدى تحقيق التكامل بين التفاعل الرقمي والتواصل المباشر، مما يضمن تقديم قيمة حقيقية للشركاء والعملاء.

 

نظرة إلى المستقبل: التكنولوجيا في خدمة التجربة الشخصية

بالنسبة لديدم، مستقبل التسويق سيكون لأولئك الذين يستطيعون تسخير التكنولوجيا والإبداع والبيانات معًا. تقول: “الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والمدن الذكية لم تعد مجرد مصطلحات رائجة، بل أصبحت تشكّل طريقة حياتنا وعملنا. وللبقاء في الصدارة، علينا تبنّي هذه الأدوات واستخدامها لخلق تجارب شخصية ومؤثرة لعملائنا.”

الفضول والمرونة والشغف بالابتكار لا يزالون يقودون رحلتها، ومع كل تحدٍ جديد تثبت ديدم إيكر أن النجاح لا يتعلق فقط بالمكان الذي أتت منه، بل بمدى استعدادها للذهاب إلى أبعد الحدود.