Home » مقابلة الأسبوع » السماء تُعاد كتابتها بالذكاء الاصطناعي مقابلة مع رئيس المركز الوطني للأرصاد

في مقابلة حصرية مع تك إكس ميديا ، يسلّط الدكتور عبد الله المندوس، رئيس المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ومدير عام المركز الوطني للأرصاد في الإمارات، الضوء على كيفية إعادة الذكاء الاصطناعي تشكيل علم الطقس.

ويستعرض كيف تعمل الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار وتحليلات البيانات معاً لتقديم توقعات أسرع وأكثر دقة ومرتكزة على التأثيرات الفعلية. كما يبرز التحول الكبير من نماذج التنبؤ التقليدية إلى ذكاء القرار في الوقت الحقيقي.

نظرة معمقة على تطور علم الأرصاد الجوية من مجرد مراقبة السماء إلى المساهمة الفعالة في كيفية الاستجابة لتقلباتها.

كيف يُحدث المركز الوطني للأرصاد تحولاً في علم الطقس التقليدي عبر الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات؟

في المركز الوطني للأرصاد (NCM)، لا نرى الذكاء الاصطناعي بديلاً عن خبراء الأرصاد الجوية، بل نراه أداة توسّع ما يمكن أن يقدمه هذا العلم. لا يزال الأساس العلمي يعتمد على الفيزياء، والرصد، والتنبؤات العددية للطقس، لكن الذكاء الاصطناعي يتيح معالجة البيانات بشكل أسرع، وتحسين التفاصيل المحلية، وتحويل التوقعات إلى إرشادات عملية أكثر فائدة. ويتمثل التحول الحقيقي في الانتقال من مجرد التنبؤ بالحالة الجوية إلى التنبؤ بتأثيراتها، مما يجعل خدماتنا أكثر ارتباطاً بالسلامة والتخطيط وصنع القرار الوطني.

ما التقنيات التي يعتمد عليها المركز الوطني للأرصاد اليوم، وكيف تعمل الأقمار الصناعية والرادار وأجهزة الاستشعار معاً؟

تكمن قوتنا في التكامل. توفر الأقمار الصناعية رؤية إقليمية واسعة تساعد في تتبع الأنظمة السحابية، وانتقال الرطوبة، وحركة الغبار. بينما يوفر الرادار معلومات دقيقة وفورية عن الأمطار وبنية العواصف، وهو أمر أساسي للتنبؤات قصيرة المدى وإصدار التحذيرات. أما محطات الرصد السطحية وأجهزة الاستشعار فتوفر البيانات الحقيقية على الأرض من خلال قياس الرياح ودرجة الحرارة والرطوبة والضغط ومدى الرؤية. وفي المركز، يتم دمج كل هذه الأنظمة في صورة تشغيلية واحدة، تتيح فهم ما يحدث الآن وما قد يحدث لاحقاً.

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي خبراء الأرصاد في التعامل مع هذا الكم الهائل من البيانات؟

علم الأرصاد الجوية من أكثر العلوم كثافة من حيث البيانات في العالم. نتعامل يومياً مع صور الأقمار الصناعية، وبيانات الرادار، وشبكات الرصد، ومخرجات النماذج العددية، وأرشيفات المناخ. يساعد الذكاء الاصطناعي على التعرف على الأنماط بشكل أسرع، وتحسين أداء التنبؤات المحلية، وتسريع تفسير المعلومات المعقدة. وهو مهم بشكل خاص في مجالات مثل تصحيح الانحياز، وتقليل المقياس (Downscaling)، وتحويل الإشارات الجوية الخام إلى احتمالات وإرشادات قائمة على المخاطر يمكن لصناع القرار استخدامها بشكل أكثر فعالية.

ببساطة، كيف تدعم بيانات الطقس الأفضل الاستدامة؟

ببساطة، بيانات الطقس الدقيقة تقلل الهدر، وتقلل الاضطرابات، وتحسن الكفاءة، وهذا هو جوهر الاستدامة. التنبؤات الأكثر دقة تساعد قطاع الطاقة على إدارة مصادر الطاقة المتجددة بشكل أفضل، وتساعد أنظمة المياه على الاستجابة بشكل استباقي، وتساعد الجهات البيئية على التحرك مبكراً خلال حالات الغبار أو التلوث. ومع مرور الوقت، تدعم معلومات الطقس والمناخ عالية الجودة تخطيطاً أكثر ذكاءً للبنية التحتية والتنمية، وهو أمر أساسي لبناء مستقبل أكثر استدامة ومرونة.

هل أصبحت الظواهر الجوية المتطرفة أكثر شيوعاً، أم أننا فقط نرصدها بدقة أكبر؟

الإجابة هي كلا الأمرين. اليوم، نحن نرصد الظواهر الجوية المتطرفة بدقة أكبر بكثير من الماضي بفضل تطور الأدوات والتقنيات. وفي الوقت نفسه، تشير الأدلة العلمية الأوسع إلى أن نظام المناخ يتغير، وهذا يؤثر على شدة وتكرار بعض الظواهر المتطرفة في العديد من مناطق العالم. ومن منظور المركز الوطني للأرصاد، تبقى القضية الأساسية هي الاستعداد. فبغض النظر عن السبب، أصبحت بيئة المخاطر أكثر تطلباً، مما يجعل الإنذار المبكر وتعزيز المرونة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

كيف تدعم البيانات الجوية قطاعات مثل الطيران والزراعة والتخطيط الحضري؟

للبيانات الجوية قيمة مباشرة في جميع هذه القطاعات. ففي قطاع الطيران، تُحسن السلامة واستمرارية العمليات من خلال المساعدة في إدارة المخاطر مثل ضعف الرؤية، وتغير اتجاهات الرياح، والاضطرابات الجوية، والعواصف. وفي الزراعة، تدعم تخطيط الري، وحماية المحاصيل، وإدارة الإجهاد الحراري. أما في التخطيط الحضري، فتساهم في تصميم شبكات تصريف المياه، وتخفيف تأثير الحرارة، وتعزيز إجراءات المرونة تجاه مخاطر الطقس. وبشكل عملي، تساعد معلومات الطقس في حماية الأرواح، وتحسين الكفاءة، وتقليل الخسائر.

علم الأرصاد غالباً ما يركز على التنبؤ، لكن كيف يساهم أيضاً في تقليل المخاطر وتحسين إدارة الموارد؟

التنبؤ هو جزء من الصورة فقط. القيمة الحقيقية تظهر عندما ترتبط المعلومات الجوية بالإجراءات. في المركز الوطني للأرصاد، نركز بشكل متزايد على الخدمات القائمة على التأثير، أي مساعدة المستخدمين على فهم ليس فقط حالة الطقس، بل ما قد تعنيه هذه الحالة للنقل والبنية التحتية والسلامة العامة والعمليات التشغيلية. وهذا يمكّن المؤسسات من اتخاذ إجراءات مبكرة، وتوزيع الموارد بشكل أكثر كفاءة، وتقليل الاضطرابات قبل وقوع الحدث.

ما هو دور التعاون الدولي في علم الأرصاد وخدمات المناخ؟

التعاون الدولي أساسي لأن الأنظمة الجوية لا تعترف بالحدود الوطنية. فالتنبؤ في دولة الإمارات يعتمد ليس فقط على الرصد المحلي، بل أيضاً على تبادل البيانات الإقليمية والعالمية. ومن خلال التعاون، تعمل المراكز الأرصادية على تحسين أداء النماذج، وتعزيز الفهم العلمي، وتطوير العمل المشترك في التحديات مثل انتقال الغبار، والمخاطر البحرية، ومخاطر المناخ. وبالنسبة للمركز الوطني للأرصاد، تعد هذه الشراكات ضرورية للحفاظ على أعلى معايير التنبؤ التشغيلي وخدمات المناخ طويلة المدى.

ما أبرز الابتكارات الناشئة في علم الأرصاد التي تهم المركز الوطني للأرصاد؟

أكثر الابتكارات إثارة هي تلك التي تقرّب علم الغلاف الجوي من القرارات الواقعية. ويُعد التنبؤ فائق الدقة المعتمد على الذكاء الاصطناعي من أبرز التطورات، لأنه يتيح تقديم إرشادات على المستوى الذي تظهر فيه التأثيرات فعلياً. كما نشهد تقدماً كبيراً في الأنظمة التي تدمج الطقس والغبار وجودة الهواء والبيانات البيئية في خدمة واحدة متكاملة. هذه الابتكارات تجعل علم الأرصاد أكثر محلية، واستجابةً، وقابلية للتطبيق العملي.

كيف يمكن لعلم الأرصاد والاستدامة أن يعملا معاً لدعم المرونة طويلة المدى؟

علم الأرصاد والاستدامة مرتبطان بشكل طبيعي، لأن كليهما يعتمد على استباق المخاطر والتخطيط المسبق. فكلما تحسنت جودة الرصد، تحسنت التنبؤات، وكلما تحسنت التنبؤات، أصبح تقييم المخاطر أفضل، مما يدعم قرارات أكثر كفاءة في مجالات البنية التحتية والطاقة والمياه واستخدام الأراضي. وفي المركز الوطني للأرصاد، نرى علم الأرصاد جزءاً من إطار المرونة الوطنية، حيث يساهم في ضمان أن يكون التطوير قائماً على الأدلة، وأن تُفهم المخاطر مبكراً، وأن تُدعم الأهداف طويلة المدى مثل النمو المستدام وصافي الصفر 2050 عبر معلومات بيئية موثوقة.