Home » رأي الخبراء » تصاعد تكاليف الذكاء الاصطناعي يضغط على هوامش الأرباح

تشهد تكاليف الذكاء الاصطناعي ارتفاعاً متسارعاً، في ظاهرة بدأت تؤثر بشكل مباشر على هوامش أرباح الشركات، وسط تحذيرات من أن التوسع غير المدروس في استخدام هذه التقنيات قد يحمل تداعيات مالية كبيرة.

وفي مثال بارز، واجهت شركة Zillow أزمة حادة بعدما أدت خوارزميات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها إلى المبالغة في تقييم أسعار المنازل، ما انعكس سلباً على قرارات الشراء الآلي. ونتيجة لذلك، تكبدت الشركة خسائر بلغت 881 مليون دولار، وأوقفت نشاطها لشراء وإعادة بيع المنازل، إلى جانب تسريح نحو 2000 موظف بحلول نهاية عام 2021.

وتشير دراسة صادرة عن IBM Institute for Business Value إلى أن تكاليف الحوسبة المؤسسية مرشحة للارتفاع بنسبة 89% بين عامي 2023 و2025، حيث يرى نحو 70% من التنفيذيين أن الذكاء الاصطناعي التوليدي هو المحرك الرئيسي لهذه الزيادة. وفي المقابل، سجلت الشركات الناشئة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي ارتفاعاً في تكاليف الحوسبة والاستضافة بنسبة تصل إلى 300% سنوياً، وفق بيانات Kruze Consulting، مقارنة بنمو لا يتجاوز 53% لدى شركات البرمجيات كخدمة التقليدية.

وتكمن المشكلة الأساسية في أن تكاليف الحوسبة غالباً ما تكون غير واضحة، حيث تُدرج ضمن ميزانيات تقنية المعلومات دون متابعة دقيقة من الإدارات المالية، ما يؤدي إلى تشوهات في نماذج التسعير وتحليل الهوامش وتخصيص رأس المال.

ويؤكد الخبراء أن زيادة الإنتاجية لا تكفي وحدها، إذ إن تسارع نمو تكاليف الحوسبة بوتيرة أسرع من القيمة المضافة يؤدي إلى تقلص الهوامش حتى مع ارتفاع الإيرادات، وهو ما يُتوقع أن يشكل العامل الحاسم في المرحلة المقبلة من تبني الذكاء الاصطناعي.

وتختلف حدة التأثير حسب القطاعات، ففي الاتصالات والخدمات المصرفية تتحول التكاليف من الرواتب إلى استهلاك وحدات المعالجة الرسومية، بينما تشهد قطاعات مثل الرعاية الصحية والتأمين ارتفاعاً كبيراً في تكاليف الامتثال. كما تواجه شركات الإعلام والبرمجيات زيادات مستمرة في فواتير الحوسبة السحابية مع كل مستخدم جديد.

ورغم تحقيق مكاسب في الكفاءة بفضل تحسين النماذج والبنية التحتية، إلا أن هذه المكاسب تتآكل بفعل التوسع الكبير في الاستخدام، مع تزايد عدد النماذج والاستعلامات ودورات إعادة التدريب.

وبدأت بعض الشركات الكبرى باتباع نهج أكثر انضباطاً، حيث يقوم عدد من المديرين الماليين في شركات مدرجة ضمن قائمة Fortune 500 بتتبع تكاليف الحوسبة بشكل مباشر عبر لوحات تحكم آنية، في حين توصي شركات الاستشارات مثل Spencer Stuart بتعزيز خبرات الذكاء الاصطناعي على مستوى مجالس الإدارة.

ويرى محللون أن الشركات التي ستنجح في هذه المرحلة هي تلك التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كعملية تشغيلية دقيقة، من خلال قياس التكلفة لكل نموذج ولكل عملية ولكل عميل، وربط ذلك بالقيمة المحققة.

وبالنسبة للمستثمرين، فإن تضخم تكاليف الحوسبة سيظهر بشكل متزايد في نتائج الأعمال الفصلية عبر تراجع الهوامش، خاصة في القطاعات كثيفة البيانات مثل التأمين والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية.

ورغم أن العديد من المؤسسات تبنت الذكاء الاصطناعي بهدف خفض التكاليف، إلا أن الواقع يشير إلى أن البنية التحتية المطلوبة لتشغيل هذه التقنيات أصبحت تستهلك جزءاً كبيراً من تلك الوفورات.

ومع ذلك، تؤكد التجارب الحديثة إمكانية التحكم في هذه التكاليف من خلال استخدام نماذج أصغر مخصصة للمهام، وتحسين إدارة الموارد، وفرض حدود إنفاق واضحة، إلى جانب تقييم العائد مقابل التكلفة قبل تنفيذ أي مشروع جديد.

وفي هذا السياق، يشدد خبراء على أهمية تعزيز الثقافة المالية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والتعامل مع الحوسبة كمورد استراتيجي، وليس مجرد بند إنفاق تقني، لضمان تحقيق عوائد مستدامة دون التأثير سلباً على الربحية.

بقلم كيارا ماركاتي ,رئيسة الاستشارات في الذكاء الاصطناعي والأعمالai71,