Home » المدن الذكية » لماذا تستحق المدن الذكية ثقتنا لا خوفنا

مع تحوّل المدن إلى الذكاء، يتوقع السكان المزيد من الراحة والسهولة في حياتهم اليومية. لكن ما لا يتوقعه الكثيرون هو أن يكونوا تحت المراقبة والتحليل على مدار الساعة.

هذا هو التناقض المقلق الذي تكشفه المدن الذكية اليوم: فهي مبنية على البيانات، مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، وتعتمد على أجهزة الاستشعار، وتَعِد بتحسين جودة الحياة، لكنها تثير في الوقت ذاته سؤالًا جوهريًا: إلى أي حد يمكن القبول بالمراقبة؟

تشهد المدن الذكية ازدهارًا عالميًا، من إشارات المرور التنبؤية في سنغافورة إلى أنظمة إدارة النفايات الذكية في سيول. ولا تُعد منطقة الشرق الأوسط استثناءً، بل إنها في طليعة الدول الطامحة لإعادة تشكيل مفهوم المدن.

تُعد مشاريع مثل “سمارت دبي” و”نيوم” في المملكة العربية السعودية نموذجًا للمستقبل الحضري الرقمي، لكنها تثير تساؤلات متزايدة حول حقوق الأفراد الذين تُجمع بياناتهم دون علمهم أحيانًا.

المدينة تراقب دائمًا

في الواقع، لم تعد المراقبة أمرًا ملحوظًا. بل أصبحت جزءًا مدمجًا في بنية الحياة الحديثة.

في عام 2018، تم عرض صورة امرأة صينية على شاشة عامة بتهمة عبور الطريق في غير المكان المخصص، لكنها في الحقيقة لم تكن قد قطعت الشارع، بل ظهرت صورتها على إعلان لحافلة مرّت في الخلفية.

وفي سان دييغو، تحولت أعمدة الإضاءة الذكية إلى أدوات مراقبة أمنية دون علم الجمهور. أما مشروع “سايدووك لابز” في تورونتو فقد أُلغي بعد احتجاج السكان على سياسات البيانات الغامضة.

هذه الحوادث ليست استثناءً، بل إشارات مبكرة لمشكلة متنامية: المدن تتحول إلى “مراقِب” بحكم التصميم.

الشرق الأوسط يتحرك بسرعة ويتحدث أقل

في منطقة الشرق الأوسط، تُعد المدن الذكية رمزًا للتقدم، حيث تستثمر الحكومات بقوة في هذا التوجه لمعالجة تحديات حضرية مثل الازدحام المروري، وشحّ المياه، وكفاءة الطاقة، والسلامة.

تستخدم دبي الذكاء الاصطناعي لإدارة المرور ومراقبة الأمن، في حين تسعى “نيوم” إلى دمج تقنيات التعرف على الوجه والوصول البيومتري في الحياة اليومية.

لكن هذه التطورات تطرح تساؤلات حساسة:

  • من يملك هذه البيانات؟
  • إلى متى تُخزن؟
  • هل يتم إبلاغ المواطنين؟ هل يُطلب منهم الإذن؟
  • لسنا ضد التكنولوجيا

من المهم التوضيح أن المدن الذكية ليست العدو، بل هي ضرورية لمستقبل أكثر استدامة. فهي تقلل الازدحام، وتخفض الانبعاثات، وتنقذ الأرواح. كما جعلت الحكومات أكثر استجابة، والمدن أكثر قابلية للعيش.

أثناء جائحة كوفيد-19، لعبت الأدوات الذكية مثل الطائرات دون طيار والكاميرات الحرارية دورًا فعالًا في تطبيق الإجراءات الصحية.

لكن “الذكاء” لا ينبغي أن يعني “السرية”، والأمان لا يجب أن يكون على حساب الخصوصية.

ما نحتاجه ليس تقليل الكاميرات، بل وضع قواعد واضحة لاستخدامها، وتوفير شفافية حول مسار البيانات ومن يستفيد منها.

طريق أكثر ذكاءً نحو المستقبل

بعض المدن بدأت بالفعل في إظهار الطريق الصحيح.

فبرشلونة تبنت سياسة “حوكمة البيانات المفتوحة”، مما يمنح السكان تحكمًا أكبر في بياناتهم. وتنشر أمستردام سجلًا علنيًا بكل خوارزمية تُستخدم في خدمات المدينة.

هذه الأمثلة تُثبت أن من الممكن أن تكون المدينة ذكية وأخلاقية في آنٍ واحد.

ولدى الشرق الأوسط فرصة ريادية، ليس فقط في بناء مدن المستقبل، بل في بناء مدن يُمكن الوثوق بها.

فالنماذج الحكومية المركزية في المنطقة تتيح القدرة على التحرك بسرعة وبنطاق واسع، ويمكن توظيف هذه القدرة في سنّ سياسات صارمة لحماية البيانات، وإنشاء هيئات رقابية مستقلة، وإشراك المواطنين في قرارات التكنولوجيا قبل تنفيذها.

فلنمنع أزمة ثقة قبل حدوثها

الحقيقة أن المدن الذكية تواجه أزمة صامتة. فكلما أصبحت المراقبة غير مرئية، أصبح انعدام الثقة ظاهرًا.

ويمكننا تجنب ذلك، لكن فقط إذا بدأنا بطرح الأسئلة الصعبة الآن:

ما هو التوازن بين الراحة والموافقة؟

كيف نضمن أن التقنية تخدم المواطن، لا النظام فقط؟

الطريق الأذكى يبدأ بالثقة

التكنولوجيا تتقدم بسرعة. لكن الثقة لا.

ولكي تكون المدن ذكية حقًا، يجب ألا تكتفي بمراقبتنا، بل أن تحترم خصوصيتنا وحقوقنا ودورنا في تشكيل مستقبلنا الحضري.

لأن أذكى المدن لن تكون مدفوعة بالبيانات فقط… بل مدفوعة بالبشر أيضًا.