Home » المرأة في التكنولوجيا » الذكاء الاصطناعي ضرورة وليست رفاهية: الدكتورة نيفين مكرم لبيب

في ظلّ التطوّر المتسارع لعالم الذكاء الاصطناعي، لا يكتفي البعض بمواكبة هذا التحوّل، بل يسهمون في تشكيله. وتُعدّ الدكتورة نيفين مكرم لبيب واحدة من أبرز هذه الشخصيات الرائدة، إذ لا تقتصر قصتها على الفضول العلمي، بل تنبع من قناعة راسخة بأنّ الذكاء الاصطناعي قادر على إحداث تحوّلات جذرية في حياة الأفراد والمجتمعات.

وفي حوار خاص مع تك إكس ميديا ، ضمن مبادرة “النساء في التكنولوجيا”، استعرضت أستاذة علوم الحاسوب ونظم المعلومات المرموقة مسيرتها المهنية التي مزجت بين الرعاية الصحية والتعليم والتقدّم الاستراتيجي، مدفوعةً بالبيانات والتكنولوجيا.

بدأت رحلة الدكتورة نيفين بحلّ مشكلات واقعية، وتحولت هذه الرغبة إلى مسار مهني مؤثر يمتدّ تأثيره اليوم عبر منطقة الشرق الأوسط.

من رؤى مبتكرة إلى تأثير إقليمي

حتى أثناء دراستها الجامعية في مصر، كان شغف الدكتورة نيفين بالتكنولوجيا مرتبطًا برغبتها في الإسهام في العلاج والشفاء. وقد استلهمت مسارها من مقولة أحد أساتذتها: “الجامعات يجب أن تحلّ مشكلات حقيقية”، وهي عبارة زرعت فيها دافعًا دائمًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تطبيقات عملية، بدءًا من تشخيص أمراض الأطفال، وصولًا إلى تشخيص آلام الصدر، مثبتةً بذلك الإمكانات الحقيقية لإنقاذ الأرواح عبر التكنولوجيا.

وفي تسعينيات القرن الماضي، حين لم تكن هناك كليات متخصصة في الذكاء الاصطناعي في مصر، أظهرت الدكتورة نيفين رؤية استثنائية عبر التحاقها بدبلوم متخصص وتطويرها أنظمة خبيرة في المجال الطبي، في وقتٍ اعتبر فيه كثيرون الذكاء الاصطناعي فكرة خيالية لا تتجاوز المختبرات. لكنها رأت فيه أداة قابلة للتطبيق في المستشفيات والمدارس، وحتى في رسم السياسات العامة.

وتقول بثقة: “أدركتُ مبكرًا أنّ الذكاء الاصطناعي ليس رفاهية، بل ضرورة لتسريع التنمية”.

قبل سنوات من الطفرة العالمية في الذكاء الاصطناعي، كانت الدكتورة نيفين تطبّق تقنيات التعلّم الآلي في مجالات طبية حساسة، مثل أمراض القلب والسرطان. وقد أسهمت أعمالها التأسيسية في تمهيد الطريق لابتكارات طبية أصبحت لاحقًا جزءًا لا يتجزأ من منظومات الرعاية الصحية العالمية خلال جائحة كورونا، مثل الطب عن بُعد، والتشخيص الافتراضي، والعمليات الجراحية عن بُعد.

تمكين الدول من خلال التحليل الاستباقي

اليوم، ترتكز رؤية الدكتورة نيفين على الإمكانات التحولية لتحليلات البيانات التنبؤية. وتشارك بفاعلية في مبادرات وطنية لتطوير الذكاء الاصطناعي، مقدّمةً رؤى إستراتيجية لصنّاع القرار بهدف التنبؤ بالتحديات والفرص. وتوضح: “عندما تكتشف الأنماط مبكرًا، يمكنك أن تتصرّف مبكرًا أيضًا”. وتشمل هذه الرؤية قطاعات حيوية كالرعاية الصحية والتعليم والاقتصاد.

وتُعد عضويتها في “المرصد الاقتصادي باستخدام الذكاء الاصطناعي” بجامعة القاهرة، و”مجلس المعلوماتية الصحية المصري”، دليلًا على تأثيرها الكبير في تطوير استراتيجيات وطنية قائمة على البيانات، وهو ما يتماشى مع تطلعات دول الخليج في التنويع الاقتصادي وبناء مجتمعات ذكية.

رؤية وعزيمة وخوارزميات: فصل جديد في مسيرة الذكاء الاصطناعي

لم تكن رحلة الدكتورة نيفين خالية من التحديات. ففي بداياتها، واجهت كثيرًا من الشكوك، ليس فقط بشأن فعالية الذكاء الاصطناعي، بل أيضًا بشأن دورها كامرأة في مجال تقني يهيمن عليه الذكور. وتقول: “في المؤتمرات، كان البعض يتساءل من أكون، لكنني واصلت طريقي، وكنت أعلم أنه بمجرد أن أتكلم، سيتغيّر كل شيء”.

اليوم، تُعدّ الدكتورة نيفين من أبرز الأصوات المؤثرة في مجال الذكاء الاصطناعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وقد نالت تكريمات مرموقة من نقابة الأطباء بالقاهرة، ومؤسسات دولية تُعنى بالنساء في العلوم، ومنظمات مرتبطة بالأمم المتحدة.

وترأست مؤتمر “الأورام والمعلوماتية” العربي الأفريقي الأول، الذي جمع خبراء من قارتين لتعزيز تطبيقات الذكاء الاصطناعي في رعاية مرضى السرطان. كما شاركت كمتحدثة رئيسية في “قمة الذكاء الاصطناعي” بسلطنة عمان لعام 2025، وفي “القمة الإعلامية العربية” بجامعة الإمارات، ما يؤكّد مكانتها كأحد أعمدة الفكر القيادي في مجال الذكاء الاصطناعي على مستوى دول الخليج.

وتوجّه رسالة ملهمة للنساء الشابات الراغبات في دخول مجال التكنولوجيا: “آمنّ بأنفسكنّ وادعمن بعضكن البعض”، مؤكدةً أهمية المجتمعات التقنية التي تقودها النساء، وضرورة الشبكات العالمية التي تعزز الأصوات وتشارك الخبرات، باعتبارها عنصرًا حيويًا لإعادة تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي. وتقول: “خلف كل امرأة قوية، امرأة أخرى آمنت بها”.

رؤية لتعليم عالمي تقوده الخوارزميات

وحين سُئلت عمّا كانت لتفعله إذا أُتيحت لها فرصة لحلّ تحدٍّ عالمي باستخدام الذكاء الاصطناعي، اختارت التعليم دون تردّد. فهي ترى في الذكاء الاصطناعي أداةً لا تُحسّن الأداء الأكاديمي فحسب، بل تحفّز التنمية الشاملة، من خلال دعم التعلّم المخصّص، وتعزيز التفكير الأخلاقي، وتنمية المهارات النقدية. وتوضح: “إذا علمتَ الناس بالطريقة الصحيحة، يمكنك أن تغيّر العالم”.

تمثل مسيرة الدكتورة نيفين مكرم نموذجًا حيًا لما يمكن أن يحقّقه الدمج بين التكنولوجيا، والقيادة، والرؤية الإنسانية. فقد تجاوزت الأدوار التقليدية، وكسرت الحواجز، وأسهمت في تمكين الأفراد والمؤسسات، ليس فقط عبر الخوارزميات، بل من خلال الإصرار والتعاطف والرغبة المتجدّدة في الابتكار.