Home » المرأة في التكنولوجيا » الارتقاء فوق التحيز: Pelin Konakci

 

وُلدت “بلين كوناكجي” في مدينة كيركلاريلي الصغيرة في الجزء الأوروبي من تركيا، حيث تأثرت حياتها بتاريخ ثقافي غني وروابط عائلية قوية. كان أجدادها من جهة الأم مهاجرين من يوغوسلافيا واليونان، ضمن تبادل السكان بين المجتمعات المسلمة في اليونان ودول البلقان الأخرى. نشأت “بلين” وسط عائلة ممتدة تضم أجدادها وأعمامها وعماتها وأبناء عمومتها، مما وفر لها بيئةً مليئة بالحب والتواصل والدعم غير المشروط.

فصل جديد في أنطاليا

في سن السابعة، انتقلت عائلة “بلين” إلى أنطاليا في جنوب تركيا بسبب عمل والدها. كانت هذه النقلة بداية طفولتها في مدينة مشرقة وحيوية أثرت إيجابًا على نموها وتعليمها. حصلت على فرصة مبكرة لتعلم اللغة الإنجليزية في مدرسة ابتدائية خاصة، ثم التحقت بمدرسة حكومية انتقائية تعتمد اللغة الإنجليزية كوسيلة أساسية للتعليم، الأمر الذي منحها ميزة تنافسية. وكانت تلك المدرسة معروفة باختيار الطلاب المتميزين فقط؛ وهناك ازدهر شغف “بلين” بالتعلم، وتمكنت من التخرج من المدرسة الثانوية وهي تحتل المرتبة الثالثة بين زملائها.

 

حب التعلم

بفضل اهتمامها العميق بالرياضيات والعلوم واللغات، اختارت “بلين” دراسة الهندسة. وبفضل اجتهادها، حصلت على مقعد في قسم هندسة الحاسوب بجامعة بوغازيتشي في إسطنبول، إحدى أرقى المؤسسات التعليمية في تركيا. وسط أجواء البوسفور الساحرة، طورت “بلين” مهارات التفكير النقدي، مما أعدها لتصبح مفكرة مستقلة ذات رؤية عالمية.

 

غير أن طريقها لم يخلُ من التحديات؛ فقد التحقت بالجامعة وهي تملك خبرة محدودة في استخدام الحواسيب الشخصية، مما جعل منحنى التعلم حادًا بالنسبة لها. ومع ذلك، وبفضل المثابرة، لم تتأقلم فحسب مع الحياة في المدينة الصاخبة، بل تفوقت أكاديميًا، إذ أنهت سنتها الأولى كأفضل طالبة في قسمها. وكان هذا النجاح بمثابة بداية رحلتها المتميزة.

 

طفرة الإنترنت

مع ازدهار قطاع التكنولوجيا خلال فترة الطفرة التقنية، انتهزت “بلين” الفرصة لاكتساب الخبرة العملية، حيث حصلت على تدريبات صيفية في شركات تكنولوجية رائدة مثل مايكروسوفت وسوبر أونلاين وأسلسان. وقد أتاحت لها هذه الفرص التعرف على مختلف مجالات التقنية، مما عزز شغفها بهذا المجال.

 

من مطورة برمجيات إلى مهندسة مبيعات

بعد التخرج، بدأت “بلين” مسيرتها المهنية في “جارانتي تكنولوجي”، الذراع التقنية لبنك جارانتي. عملت مطورة برمجيات في قسم القنوات الرقمية، حيث ساهمت في تطوير تطبيقات الخدمات المصرفية عبر الإنترنت ومراكز الاتصال خلال الأيام الأولى للمصرفية الرقمية، مما عزز خبرتها التقنية وفهمها العميق للعمليات المصرفية.

 

لاحقًا، انضمت إلى “صن مايكروسيستمز” كمهندسة مبيعات مبتدئة، مما أتاح لها العمل ضمن فريق عالمي من المحترفين الشباب في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. شملت تدريباتها رحلات إلى سويسرا واسكتلندا وحتى مقر “صن” في كاليفورنيا، مما ساهم في توسيع مهاراتها التقنية والقيادية. وكان لقاءها مع سكوت مكنيلي، المؤسس المشارك لـ”صن مايكروسيستمز”، من أبرز المحطات في حياتها المهنية.

 

الصعود في السلم الوظيفي

مع استحواذ “صن” على برمجيات متخصصة، تحولت “بلين” إلى دور مهندسة حلول في إدارة الهوية والوصول. وبفضل معرفتها التقنية العميقة، تولت مشاريع ضخمة مع كبرى شركات الاتصالات والبنوك في المنطقة.

 

في عام 2007، كُلفت “بلين” بحل مشكلة حرجة في مشروع واسع النطاق بالمملكة العربية السعودية، ورغم التحديات البيروقراطية، مثل عدم قدرتها على السفر بمفردها بسبب قيود التأشيرات، استطاعت إدارة المشروع بنجاح بدعم من زوجها.

 

التعليم والمسيرة المهنية

في عام 2008، قررت “بلين” الالتحاق ببرنامج ماجستير إدارة الأعمال التنفيذي في جامعة كوتش لتعزيز مهاراتها في الأعمال التجارية والاستعداد للأدوار القيادية. ورغم التحديات التي فرضها التوازن بين العمل والدراسة والحياة الأسرية، نجحت في تحقيق هدفها، إذ وفر لها البرنامج شبكة علاقات مهنية قيمة دعمت مسيرتها.

 

منعطف مهم في حياتها المهنية

في عام 2009، ومع استحواذ “أوراكل” على “صن مايكروسيستمز”، وجدت “بلين” فرصة للتحول إلى مبيعات الاستشارات، مما سمح لها بدمج خبرتها التقنية مع مهاراتها التجارية المكتسبة حديثًا.

 

فصل جديد في حياتها

في عام 2013، تولت منصب مديرة مبيعات الأمن السيبراني في “آي بي إم” بتركيا. وساهمت قيادتها في تعزيز مكانة الشركة كواحدة من أبرز مقدمي حلول الأمن في السوق التركي. وفي عام 2018، توسع دورها ليشمل قيادة إقليمية لإدارة محفظة الثقة الرقمية في الشرق الأوسط وأفريقيا، مما منحها فرصة للعمل في بيئة متنوعة وسريعة النمو في دبي.

 

دور جديد في “أنومالي”

بعد 11 عامًا مثمرة في “آي بي إم”، انضمت “بلين” إلى “أنومالي” كمديرة إقليمية للقنوات، حيث تركز على بناء شراكات استراتيجية لتوسيع وجود الشركة في منطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا.

 

تجاوز التحديات

لم تكن مسيرة “بلين” المهنية خالية من العقبات؛ فقد واجهت بعض الصعوبات في الترقيات، لكنها استغلت تلك اللحظات كفرص للنمو والتعلم، مما مكّنها من تحقيق تطور وظيفي مستمر.

 

نصيحة للنساء الطموحات

تقدم “بلين” نصيحة ملهمة للنساء اللواتي يطمحن إلى القيادة في قطاع التكنولوجيا: “غالبًا ما تواجه النساء في التكنولوجيا تحيزًا غير واعٍ، وقد تشعرين أحيانًا بأنكِ مستبعدة، لكن لا تفقدي ثقتك بنفسك. تحدّي الحدود وكوني قائدةً بشجاعة وقلب مفتوح. أحِطي نفسك بدائرة داعمة وابحثي عن مرشدين يرشدونك في رحلتك.”

 

نظرة إلى المستقبل

من بدايات متواضعة في كيركلاريلي إلى منصبها كمديرة إقليمية في “أنومالي”، تجسد رحلة “بلين كوناكجي” مثالًا حيًا لقوة الإصرار والشغف والسعي المستمر للتميز. وبروح لا تعرف الحدود، تواصل “بلين” تمهيد الطريق للأجيال القادمة من النساء القائدات في مجال التكنولوجيا.