Home » رأي الخبراء » ما الذي نسيء فهمه بشأن السلوك الرقمي في المملكة العربية السعودية؟

تُعد المملكة العربية السعودية من أكثر المجتمعات اتصالا بالإنترنت على مستوى العالم. وتشير بيانات المركز السعودي لاستطلاعات الرأي العام (SCOP) إلى أن 99% من السعوديين يستخدمون نوعا من منصات التواصل الاجتماعي. وبالنظر إلى معدلات الانتشار، فإن السوق السعودية وصلت بالفعل إلى مرحلة متقدمة من النضج الرقمي.

لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمدى الانتشار، بل بأمر أبسط: هل يستفيد الناس فعليا من كل هذا الوقت الذي يقضونه على الإنترنت؟

تشير المؤشرات في مختلف أنحاء المنطقة إلى أن الإجابة ليست إيجابية تماما. إذ تكشف الأبحاث عن تزايد الشعور بالإرهاق من وسائل التواصل الاجتماعي، وارتفاع الطلب على محتوى يتسم بالعفوية والواقعية بدلا من المحتوى المصطنع. كما أن ما يقرب من نصف سكان المملكة غير راضين عن تجربتهم على الإنترنت، ويعود السبب الأبرز في ذلك إلى اعتقادهم بأن وسائل التواصل الاجتماعي تمثل إهدارا للوقت.

ويقضي سكان السعودية في المتوسط 3.5 ساعة يوميا في تصفح الخلاصات الرقمية المصممة لإبقائهم متصلين لأطول فترة ممكنة، بدلا من تقديم محتوى يلبي احتياجاتهم الفعلية.

تتميز الخوارزميات بقدرتها الكبيرة على توسيع نطاق الوصول إلى الجمهور، إذ تحلل ما ينقر عليه المستخدمون وما يشاهدونه ويتفاعلون معه، ثم تنظم المحتوى المعروض عليهم بهدف إبقائهم على المنصات لأطول وقت ممكن. لكنها لا تستطيع فهم المستخدم في سياقه الاجتماعي والمكاني، أو تقديم محتوى يتوافق فعليا مع ما يرغب في مشاهدته. ولهذا، قد تختلف طريقة تفاعل الجمهور مع نكتة في جدة عنها في الرياض، كما قد تكتسب التوصية قيمة أكبر عندما تأتي من أحد الجيران في الخبر. فالتوقيت والموقع الجغرافي عاملان مهمان في حياة الأفراد.

وهنا يكمن الفرق بين الوصول إلى الجمهور ومدى ملاءمة المحتوى لاحتياجاته. فالوصول يقيس عدد الأشخاص الذين يمكن الوصول إليهم، بينما تقيس الملاءمة مدى توافق المحتوى المعروض مع حياة المستخدم واحتياجاته الآنية والمكان الذي يوجد فيه، وهو ما يحدد مدى قدرته على جذب اهتمامه والاحتفاظ به.

في Jodel، وجدنا أن هذه الاختلافات المرتبطة بالسياق لا تقتصر على الدول فحسب، بل تمتد أيضا إلى المدن المختلفة.

تتميز الرياض بإيقاعها السريع، ولذلك يبحث مستخدموها عن توصيات تراعي هذا الإيقاع. أما جدة، فلها طابعها الفكاهي والاجتماعي الخاص، وهو ما ينعكس على طبيعة الحوارات الدائرة فيها. وفي الخبر، ضمن المنطقة الشرقية المترابطة اجتماعيا، تنتقل التوصيات بين المدن بسهولة تضاهي انتقالها داخل المدينة الواحدة.

ولا تستطيع أي خوارزمية مدربة على متوسطات وطنية أو عالمية استيعاب هذه الفروق الدقيقة؛ إذ لا يمكن فهمها على النحو الأمثل إلا من خلال الأشخاص الذين يعيشون هذه التجارب يوميا.

وهذا هو التحول الذي يتطلبه السوق الرقمي السعودي: الانتقال من المنصات التي تقيس النجاح بمدة استحواذها على انتباه المستخدمين إلى منصات تقيسه بمدى الفائدة التي تقدمها لهم فعليا. فقد يكون تفاعل يستغرق دقيقتين ويجيب عن سؤال واقعي، مثل مكان العثور على حبوب قهوة جيدة في مدينة جديدة أو ما إذا كان مقهى معين يستحق عناء القيادة إليه، أكثر قيمة من عشرين دقيقة من التصفح السلبي.

وهذا ما طورناه في Jodel، حيث تستند آليات اكتشاف المحتوى والمعلومات إلى المكان والموقع الجغرافي، بما يتيح للأشخاص الحصول على الإجابات والمعلومات من سكان المناطق المحيطة بهم بدلا من الاعتماد على الخوارزميات. ولا تطلب المنصة من المستخدمين تقديم أنفسهم أمام جمهور واسع أو التصنع لجذب الانتباه، بل تشجعهم على التفاعل بصدق مع الأشخاص الأقرب إليهم مكانيا.

فوجود مجتمع متصل بالإنترنت لا يعني بالضرورة أنه يحصل على ما يحتاج إليه. ولا تحتاج المملكة العربية السعودية إلى مزيد من الانتشار الرقمي بقدر حاجتها إلى منصات مستعدة لقياس نجاحها بمعيار الملاءمة والفائدة: هل تساعد هذه المنصات السكان على الشعور بارتباط أكبر بالأماكن التي يعيشون فيها فعليا، بعيدا عن حدود الشاشة؟

بقلم أليسيّو أفيلاّن بورغماير، مؤسس Jodel.