Home » رأي الخبراء » صعود المؤسسة المالية العابرة للحدود

بات بإمكان المؤسسات المالية اليوم استقطاب عميل في قارة أخرى خلال دقائق، وتشغيل أنظمتها عبر بنية تحتية لم يسبق لها الاطلاع عليها، وفحص بيانات ذلك العميل باستخدام نماذج لم تطورها بنفسها. وقد أسهمت خدمات التسجيل الرقمي للعملاء، والحوسبة السحابية، والامتثال المدعوم بالذكاء الاصطناعي، ومنصات الاستثمار العالمية، في إزالة العديد من القيود الجغرافية التي كانت تحدد طبيعة الخدمات المالية في السابق.

أصبحت العمليات عابرة للحدود، لكن المساءلة لم تتغير، وهنا تحديداً تكمن المخاطر الحقيقية لهذا التحول، في الفجوة بين نطاق العمليات واتساع المسؤوليات المرتبطة بها.

إن هذا التوجه واقع لا يمكن إنكاره، ولا أختلف معه. فعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود من العمل في هذا القطاع، شهدت انتقال المؤسسات المالية من شركات ترتبط بمواقع جغرافية محددة، وتتحدد أنشطتها وفقاً لمواقع مكاتبها وعملائها، إلى مزودي خدمات متصلين عالمياً، تعتمد أعمالهم على البنية التحتية وقنوات التوزيع.

وبات بإمكان متداول في طوكيو، ومستثمر في دبي، ومحلل امتثال في أوروبا، العمل عبر المنصة نفسها، وفي الجلسة ذاتها، باستخدام البيانات نفسها. قبل عشرين عاماً، كان ربط هؤلاء يتطلب بنية تحتية أكبر بكثير ومستويات أعلى من التنسيق. أما اليوم، فيمكن دمج معظم هذه العمليات ضمن منظومة تقنية واحدة مصممة بكفاءة.

ومع ذلك، فإن الاستنتاج القائل إن الجغرافيا لم تعد ذات أهمية هو استنتاج خاطئ، من وجهة نظري. فقد قلّصت التكنولوجيا القيود الجغرافية على العمليات، لكنها لم تلغِ الحدود القانونية. فلم تعد حدود المؤسسة تقتصر على عنوان مقرها، بل تشمل أيضاً موقع العميل والنطاق التنظيمي الذي يخضع له.

إن قدرة المؤسسة على الوصول إلى العميل لا تعني بالضرورة حصولها على التصريح اللازم لتقديم الخدمات له. فكل سوق تدخلها تفرض قواعدها الخاصة بشأن الترخيص، وسلوك المؤسسات، والبيانات، ومكافحة الجرائم المالية. وكلما اتسع نطاق العمليات العابرة للحدود، زاد عدد الولايات القضائية التي تخضع لها المؤسسة. وبذلك، فإن المؤسسة العابرة للحدود تصبح عملياً مؤسسة متعددة الاختصاصات القضائية، وهو ما يجعل إدارتها أكثر تعقيداً، لا أقل.

وتُظهر دولة الإمارات العربية المتحدة كيف تستجيب الجهات التنظيمية لهذه التطورات. ففي فبراير 2026، أعلن مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي عن شراكة مع شركة Core42 لتطوير بنية تحتية سحابية مالية سيادية للقطاع المالي في الدولة، بما يشمل المؤسسات المالية المرخصة. وتهدف المبادرة إلى تعزيز سيادة البيانات وترسيخ السيطرة الوطنية عليها. وفي الشهر نفسه، أصدر المصرف إرشادات بشأن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، مؤكداً أهمية الرقابة البشرية الفعلية بما يتناسب مع مستوى المخاطر التي قد يتعرض لها المستهلكون.

وفي الوقت نفسه، أصدرت هيئة أسواق المال تحذيرات متكررة خلال عام 2026 بشأن شركات ومنصات تقدم خدمات مالية خاضعة للتنظيم دون الحصول على ترخيص منها، بما في ذلك منصة Ethr.trading التي جرى الترويج لها عبر حساب على Instagram. فالوصول إلى العملاء لا يمنح الحق في تقديم الخدمات لهم. وتؤكد تجربتي الشخصية هذه الحقيقة؛ إذ إن تقديم الخدمات للعملاء في هذه المنطقة بصورة قانونية استلزم إنشاء حضور محلي مرخص وخاضع للحوكمة المحلية، مهما كان النطاق العالمي للمجموعة التي تقف وراءه.

وتتخذ المخاطر الناجمة عن هذا التحول أشكالاً محددة. فقد تنزلق إحدى المنصات إلى تقديم خدمات لعملاء في أسواق لا تمتلك فيها التراخيص المطلوبة، ليس بالضرورة نتيجة تعمد المخالفة، بل بسبب ضعف الضوابط المتعلقة بتحديد هوية العملاء ومواقعهم الجغرافية عند تسجيلهم.

كما يمكن أن يؤدي التركّز في الخدمات السحابية ومتطلبات توطين البيانات إلى تحويل قرار يهدف إلى رفع الكفاءة إلى مشكلة رقابية. وتواجه إجراءات تسجيل العملاء عن بُعد مخاطر الهويات الاصطناعية والوثائق المعدلة، في حين يتعين على أنظمة الفحص المدعومة بالذكاء الاصطناعي التعامل مع جهات معادية تستخدم أدوات مماثلة. أما الخطر الأكثر خفاءً، فيتمثل في الثقة المفرطة، أي افتراض أن أتمتة الإجراءات تعني بالضرورة الامتثال للمتطلبات التنظيمية.

ولهذا السبب، لا يمكن التعامل مع الامتثال باعتباره مجرد قائمة من المتطلبات التي تُستكمل بعد التوسع في الأعمال. ففي المؤسسات العابرة للحدود، يجب أن يكون الامتثال جزءاً أساسياً من تصميم آليات دخول الأسواق، من خلال تحديد الأسواق المستهدفة، والتراخيص اللازمة لكل منها، والضوابط الواجب تطبيقها، وذلك قبل تسجيل أول عميل، لا بعد تلقي أول إخطار من جهة تنظيمية.

وتتمتع الشركات التي تتبنى هذا النهج بقدرة أكبر على التوسع مع تقليل الاضطرابات والحد من المخاطر التي قد تلحق بسمعتها. أما الشركات التي تتجاهل هذه الاعتبارات، فغالباً ما تكتشف حدود العمل العابر للحدود في أسوأ الأوقات الممكنة.

وفي نهاية المطاف، وهي النقطة التي غالباً ما يُستهان بأهميتها، لا تستطيع أي من هذه التقنيات إدارة المخاطر بمفردها. فالمسؤولية تظل على عاتق الأفراد. ويمكن للذكاء الاصطناعي رصد مؤشرات تفوق قدرة أي فريق على مراجعتها، والمساعدة في إجراء تحليلات معقدة، لكنه لا يستطيع تحمل مسؤولية تحديد القواعد التنظيمية التي ينبغي تطبيقها في الحالات الملتبسة، أو تقرير متى يجب تجاوز مخرجات أحد النماذج، أو كيفية التعامل مع الجهات التنظيمية عند وقوع خطأ.

وبالتالي، فإن نجاح المؤسسة العابرة للحدود يعتمد بدرجة أكبر، لا أقل، على الكفاءات المهنية التي تمتلك خبرة في أسواق متعددة، وحكماً تنظيمياً سليماً، وصلاحية اتخاذ القرارات اللازمة بناءً على هذه الخبرة.

تحدد التكنولوجيا نطاق وصول المؤسسة، وتحدد التراخيص الأسواق التي يُسمح لها بالعمل فيها، أما الأفراد فيحددون ما إذا كان ينبغي لها أن تعمل فيها.

بقلم: روبرتو دامبروسيو ، الرئيس التنفيذي لشركة Axiory