Home » التكنولوجيا الخضراء » هل يمكن للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي التوسع دون زيادة الضغط على الكهرباء والمياه؟

يترك كل استفسار موجّه إلى الذكاء الاصطناعي أثرًا بيئيًا. فخلف كل إجابة تُنشأ في ثوانٍ، توجد خوادم تستهلك الكهرباء، وأنظمة تبريد تعمل على مواجهة الحرارة، ومراكز بيانات تحتاج إلى أراضٍ وبنية تحتية مساندة. ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى تفاصيل الأعمال اليومية، يزداد إلحاح سؤال أساسي: كيف يمكن توفير الطاقة اللازمة لتشغيله دون إغفال حجم الموارد التي يستهلكها؟

تتسابق الدول لزيادة قدراتها الحاسوبية، والإمارات ليست استثناءً، إذ يشكل الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والتحول الرقمي محاور رئيسية فيها. لكن الهدف لا يقتصر على بناء المزيد من مراكز البيانات، بل يتمثل في إنشاء بنية تحتية تتسم بالكفاءة والمرونة، وتتناسب مع البيئة المحيطة بها.

ويسلط تقرير نشرته وكالة رويترز في 9 أكتوبر 2026 الضوء على هذا التحدي. ويحمل التقرير عنوان “مودي يريد للهند أن تقود عصر الذكاء الاصطناعي، لكن السكان يعارضون ذلك”، ويتناول مخاوف المجتمعات المحلية بشأن مشروعات مراكز البيانات في الهند، بما في ذلك مشروعات مرتبطة بشركتي Amazon وGoogle.

وبحسب التقرير، يشعر السكان بالقلق إزاء الطلب على الكهرباء، واستهلاك المياه، والضوضاء، والعيش بالقرب من مراكز البيانات. وأبلغت Amazon وكالة رويترز أن منشأتها المخطط لها بالقرب من مومباي ستستخدم نظام تبريد لا يعتمد على المياه، وستحصل على الكهرباء من مصدر مخصص منفصل عن إمدادات المنازل السكنية، كما ستتضمن إجراءات للحد من الضوضاء. وأضافت الشركة أنها زرعت عددًا من الشتلات يفوق عدد الأشجار التي أزالتها.

ويمتد الدرس إلى ما هو أبعد من الهند. فلم يعد السؤال يقتصر على مقدار القدرة التي يمكن للسوق إنشاؤها، بل أصبح يتعلق بمدى كفاءة توفير الطاقة لهذه القدرة، وتبريدها، ودمجها في البيئة المحيطة.

الذكاء الاصطناعي ليس مجرد برمجيات

قد يبدو الذكاء الاصطناعي وكأنه برمجيات بحتة؛ إذ يمكن للمستخدمين إجراء المحادثات، وإنشاء الصور، وتحليل المستندات، وأتمتة سير العمل عبر شاشة. لكن خلف كل واحدة من هذه العمليات توجد أجهزة فعلية، تشمل الخوادم ومعدات الشبكات والأنظمة اللازمة لضمان استمرار تشغيلها وتبريدها.

وتضم مراكز البيانات البنية الحاسوبية التي تعالج المعلومات وتشغّل الخدمات السحابية. وتعتمد هذه المراكز على الكهرباء والتبريد والشبكات وأنظمة الدعم الموثوقة، فيما تختلف احتياجاتها بحسب طبيعة المنشأة والأجهزة المستخدمة وأحمال العمل التي تتولاها.

ويزيد الذكاء الاصطناعي من حجم التحدي. فتدريب النماذج الكبيرة وتشغيل التطبيقات عالية الأداء قد يتطلبان قدرات حاسوبية كبيرة، ما يفرض على مزودي الخدمات التعامل مع أحمال عمل متغيرة دون التضحية بالموثوقية أو الكفاءة.

وتتيح زيادة القدرة الحاسوبية تشغيل المزيد من التطبيقات، لكنها تتطلب أيضًا تخطيطًا دقيقًا لتوفير الطاقة والتبريد، وكثافة المعدات، وتصميم المنشآت.

وستعتمد المرحلة المقبلة من الذكاء الاصطناعي على أكثر من الرقائق والبرمجيات؛ إذ ستتوقف أيضًا على الأنظمة المادية التي تتيح تشغيل هذه التقنيات على نطاق واسع.

عندما يصبح مركز البيانات جارًا للسكان

يسلط تقرير رويترز الضوء على جانب غالبًا ما تغفله عناوين الأخبار المتعلقة بالاستثمارات، وهو الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من المنشآت المقترح إنشاؤها.

وبحسب رويترز، أثار سكان المناطق القريبة من مشروع مركز البيانات التابع لشركة Amazon في ثين، بالقرب من مومباي، مخاوف بشأن فقدان المساحات الخضراء، والضوضاء، والضغط المحتمل على إمدادات الكهرباء والمياه المحلية. كما يتناول التقرير المعارضة التي واجهها المشروع المقترح لشركة Google في ولاية أندرا براديش.

ويبدو التحدي واضحًا؛ فمراكز البيانات تخدم اقتصادات بأكملها، لكن كل مركز منها يشغل مساحة فعلية من الأراضي ويعتمد على المرافق والخدمات المحلية.

ولا يعني ذلك أن جميع مراكز البيانات تُحدث التأثيرات نفسها، أو أن المعارضة أمر لا مفر منه. فالنتائج تعتمد على الموقع، والتصميم، وتقنيات التبريد، وترتيبات إمدادات الطاقة، وكيفية إدارة الاضطرابات المحتملة.

وهنا يبرز سؤال أساسي في التخطيط: كيف يمكن للمطورين الكشف عن المخاوف المحلية ومعالجتها قبل أن يصل المشروع إلى مرحلة متقدمة يصعب عندها إجراء التغييرات؟

وتكتسب هذه المسألة أهميتها لأن أداء المنشأة لا يعتمد على القدرة الحاسوبية وحدها. فملاءمة الموقع، والمرافق، وظروف التشغيل، والبيئة المحيطة، كلها عوامل تؤثر في كفاءة تشغيلها. ويساعد فهم هذه العوامل مبكرًا المطورين والمستثمرين على تحسين التصميم وتجنب العقبات التي يمكن تفاديها.

الكهرباء: البنية التحتية وراء البنية التحتية

من دون الكهرباء، لا يمكن تشغيل الذكاء الاصطناعي. فالخوادم ومعدات الشبكات تحتاج إلى الطاقة، كما تضيف أنظمة التبريد والمعدات المساندة إلى إجمالي الاستهلاك.

ومع نمو أحمال عمل الذكاء الاصطناعي، لم يعد التخطيط للطاقة تفصيلًا إداريًا ثانويًا، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في تصميم المنشآت. إذ يجب أن تلبي مراكز البيانات الطلب المتوقع، وتحافظ على موثوقية التشغيل، وتوفر الطاقة اللازمة لأجهزتها.

وتُعد الكفاءة أولى الوسائل المتاحة لتحسين الأداء. فبنية أنظمة التبريد، ومعدل الاستفادة من الخوادم، وتدفق الهواء، وتوزيع الطاقة، كلها عوامل تؤثر في كمية الكهرباء التي تستهلكها المنشأة لإنجاز أعمالها. كما تساعد أنظمة المراقبة المشغلين على اكتشاف الهدر مع تغير أحمال العمل.

ويكتسب مصدر الطاقة أهمية أيضًا. فالإمداد الموثوق بالكهرباء أمر لا يمكن التنازل عنه، في حين يمكن للطاقة منخفضة الكربون أن تحد من الأثر البيئي لعمليات التشغيل.

ولا يغني أحد الخيارين عن الآخر؛ فالاعتماد على الطاقة المتجددة لا يلغي الحاجة إلى الكفاءة، كما أن المنشأة عالية الكفاءة تظل بحاجة إلى إمدادات طاقة موثوقة.

ولذلك، ينبغي للمؤسسات التي تستثمر في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تقييم الجانبين معًا: توفير الأداء المطلوب، وإدارة الاستهلاك، وضمان مرونة التشغيل. وتزداد أهمية ذلك في الأسواق التي يؤدي فيها التوسع في اعتماد الحوسبة السحابية ونشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى رفع مستوى المتطلبات.

تبريد الذكاء الاصطناعي دون إغفال المياه

تولد معدات الحوسبة حرارة مرتفعة. ومن دون تبريد فعّال، يتأثر الأداء والموثوقية والعمر التشغيلي للمعدات.

ولا يوجد حل واحد يناسب جميع الحالات. إذ تستخدم مراكز البيانات تقنيات متنوعة، بدءًا من أنظمة التبريد بالهواء، مرورًا بالأنظمة التي تعتمد على المياه، وصولًا إلى التقنيات المتخصصة. ولكل منها متطلباته ومدى ملاءمته لظروف تشغيل معينة. وهذا ما يجعل إدارة المياه عنصرًا أساسيًا في التخطيط.

ويعتمد حجم استهلاك المياه في المنشأة على تصميم نظام التبريد، وظروف التشغيل، وموقعها. كما تختلف موارد المياه المتاحة من منطقة إلى أخرى، ما يجعل الظروف المحلية جزءًا أساسيًا من عملية التقييم.

وتستطيع بعض المنشآت تقليل استخدام المياه في التبريد إلى أدنى مستوى، بل والاستغناء عنها تمامًا في بعض الحالات. لكن إمكانية تطبيق ذلك تعتمد على التصميم، والمناخ، وكثافة الحوسبة، ومتطلبات الأداء.

ويبرز مشروع Amazon أهمية هذه المسألة. فقد أفادت رويترز بأن الشركة قالت إن منشأتها المخطط لها بالقرب من مومباي ستستخدم نظام تبريد لا يعتمد على المياه. ويؤكد ذلك ضرورة تقييم المشروعات وفق تصاميمها الفعلية، بدلًا من افتراض أن جميع مراكز البيانات لها التأثيرات نفسها.

أما بالنسبة إلى دولة الإمارات، فالخلاصة واضحة: يجب مواءمة تقنيات التبريد مع البيئة المحلية، والموارد المتاحة، ومتطلبات أحمال العمل. كما ينبغي تقييم كفاءة استخدام المياه إلى جانب استهلاك الكهرباء، وأداء التبريد، وموثوقية التشغيل، لاتخاذ قرارات أفضل على المدى الطويل.

الفرصة أمام الإمارات: بناء أذكى، لا أكبر فحسب

يفتح الاقتصاد الرقمي في دولة الإمارات آفاقًا حقيقية للنمو في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والبنية التحتية التي تدعم هذه التقنيات. ومع استكشاف المؤسسات تطبيقات جديدة، ستظل القدرة الحاسوبية الموثوقة عنصرًا أساسيًا.

لكن النمو يفرض قرارات لا يمكن تأجيلها. أين ينبغي إنشاء المنشأة؟ وما حجم الطاقة التي ستحتاج إليها؟ وما نظام التبريد الأنسب للموقع؟ وما البنية التحتية المساندة المطلوبة؟ وكيف ستتم إدارة الضوضاء وغيرها من التأثيرات المحلية المحتملة؟

هذه ليست مسائل جانبية، بل عوامل تحدد مدى ملاءمة المشروع لموقعه وكفاءة أدائه بمرور الوقت.

ويتناول تقرير رويترز الأوضاع في الهند، ولا ينبغي اعتباره دليلًا على وجود المشكلات نفسها في الإمارات. لكن أهميته هنا تكمن في أسئلة التخطيط التي يطرحها.

وبالنسبة إلى المطورين والمشغلين والمستثمرين في الإمارات، تبرز أربع أولويات رئيسية:

التخطيط للموارد قبل زيادة القدرة الاستيعابية.
تقييم احتياجات الكهرباء والتبريد والمرافق المساندة في المراحل الأولى من تطوير المشروع.

جعل الكفاءة أولوية في التصميم.
تقييم المعدات، وبنية أنظمة التبريد، وتوزيع الطاقة، وأنظمة المراقبة، وفقًا لأحمال العمل المتوقعة للمنشأة.

مواءمة التكنولوجيا مع الموقع.
مراعاة المناخ، وتوافر الموارد، والاتصال بالشبكات، واستخدام الأراضي، والقرب من المجتمعات المحيطة عند تقييم المواقع المحتملة.

التواصل الواضح مع أصحاب المصلحة.
توضيح الغرض من المشروع، واحتياجاته المتوقعة، والتدابير المقررة لإدارة التأثيرات المحتملة.

وتربط هذه الأولويات الجدوى التجارية للبنية التحتية الرقمية بالظروف العملية اللازمة لاستدامة تشغيلها، كما توفر أساسًا أفضل لتقييم المشروعات مقارنة بالاعتماد على أرقام القدرة الاستيعابية أو حجم الاستثمار وحدها.

يجب أن تكون الاستدامة قابلة للقياس

من السهل التعهد بتحقيق الاستدامة، لكن إثباتها أصعب. فالتقدم الحقيقي يتطلب القياس.

ويمكن للمشغلين تتبع كفاءة استخدام الطاقة، واستهلاك المياه، وأداء التبريد، وموثوقية الأنظمة المساندة، مع اختيار مؤشرات تتناسب مع طبيعة المنشأة وأحمال العمل التي تتولاها.

ويظل السياق مهمًا. فقد يعمل مركزا بيانات في مناخين مختلفين، ويستخدمان تقنيات تبريد متباينة، ويتعاملان مع أحمال عمل مختلفة. لذلك، نادرًا ما يكفي مؤشر واحد لتقديم صورة كاملة.

ومع ذلك، تساعد المراقبة المنتظمة المشغلين على خفض استهلاك الموارد وتحسين الكفاءة. كما تتيح التقارير الشفافة، عند الاقتضاء، للعملاء والمستثمرين فهم الممارسات المتبعة بصورة أوضح.

وبالنسبة إلى الشركات التي تشتري خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، قد تصبح الكفاءة عاملًا إضافيًا عند الاختيار، إلى جانب الأمن والتوافر والأداء والتكلفة. أما المطورون، فيمكنهم الاستفادة منها لتوجيه القرارات في مختلف المراحل، بدءًا من التصميم والإنشاء، وصولًا إلى التشغيل والتحديثات.

ويكمن الفارق الحقيقي بين اعتبار الاستدامة مجرد طموح، وبين تجسيدها في قرارات فعلية تتعلق بالبنية التحتية.

الاختبار الحقيقي للتقدم في الذكاء الاصطناعي

سيواصل الذكاء الاصطناعي زيادة الطلب على الموارد الحاسوبية، لكن بناء القدرة الاستيعابية لا يمثل سوى نصف المهمة. إذ يجب أيضًا تشغيل البنية التحتية بموثوقية، واستخدام الموارد بكفاءة، وضمان ملاءمتها للموقع الذي توجد فيه.

ويذكّرنا تقرير رويترز بأن البنية المادية التي تقوم عليها الخدمات الرقمية لا تعمل بمعزل عن محيطها. فهو يطرح تساؤلات حول استخدام الموارد، وتخطيط المواقع، وكيفية تعايش المشروعات الكبرى مع المجتمعات المجاورة.

وبالنسبة إلى الإمارات، تتمثل الفرصة في إدراج هذه الاعتبارات ضمن التخطيط منذ اليوم الأول، بدلًا من التعامل معها بوصفها مشكلات لا تظهر إلا بعد تعثر المشروع. وينبغي تجاوز النظر إلى عدد الخوادم التي جرى تركيبها والقدرة التي أُضيفت، وطرح أسئلة أوسع: هل تتناسب المنشأة مع بيئتها؟ وهل جرى فهم احتياجاتها من الموارد؟ وهل يمكن قياس أدائها بمرور الوقت؟

يغيّر الذكاء الاصطناعي أساليب عمل الشركات، وطرق تقديم الخدمات، وآليات معالجة المعلومات. لكن نموه سيظل معتمدًا على أنظمة مادية تتسم بالكفاءة والموثوقية، وتخضع لتخطيط دقيق.

لن يقاس مستقبل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالقوة الحاسوبية وحدها، بل سيعتمد أيضًا على مدى ذكاء أساليب توفير هذه القوة، ومسؤولية إدارة الموارد، وفاعلية دعم البنية التحتية للاقتصاد الرقمي الأوسع.