Home » رأي الخبراء » العمل الأعلى قيمة بالذكاء الاصطناعي ممكن، لكنه غير مضمون

لسنوات، تلقينا الوعود نفسها بشأن الذكاء الاصطناعي. فبمجرد أن يتولى الذكاء الاصطناعي المهام الروتينية، سيتمكن الموظفون من التركيز على أعمال أكثر استراتيجية. ويُعد ذلك عنصرًا أساسيًا في المبررات التجارية للأتمتة، إلا أننا حتى وقت قريب كنا مضطرين إلى قبول هذه الفكرة كما هي. فقد كانت معظم عمليات نشر الذكاء الاصطناعي حديثة جدًا بحيث لا تسمح بإظهار ما يحدث للعمل البشري بمرور الوقت.

يتيح إدارة خدمات تكنولوجيا المعلومات (ITSM) الآن اختبار هذا الافتراض. فقد استخدم المشاركون في تقرير SolarWinds لعام 2026 حول حالة إدارة خدمات تكنولوجيا المعلومات (State of ITSM 2026) الذكاء الاصطناعي في بيئات ITSM لديهم لمدة 16 شهرًا تقريبًا في المتوسط، فيما يمتلك نحو ثلثي المشاركين خبرة لا تقل عن عام واحد. وتعمل هذه التقنيات في بيئات فعلية، حيث تساعد فرق العمل على اكتشاف المشكلات، وفرز التذاكر، والاستجابة للطلبات. وتوضح البيانات ما يحدث عندما تصبح الأتمتة جزءًا من العمل اليومي.

أول ما يلفت الانتباه هو أن أعباء العمل لم تنخفض لدى معظم الفرق. إذ قال 52% إن إجمالي حجم العمل لديهم ارتفع منذ اعتماد الذكاء الاصطناعي، بينما أفاد 19% آخرون بأنه بقي على حاله تقريبًا. وبحد ذاته، قد يبدو ذلك هو العنوان الأبرز، وقد يعتبره المشككون دليلًا على فشل الذكاء الاصطناعي. لكن التعمق في البيانات قد يدعم الوعد الأصلي. فإذا كان الذكاء الاصطناعي ينقل الموظفين نحو أعمال أكثر استراتيجية، فمن غير الضروري أن ينخفض حجم عملهم، بل قد يتغير شكله.

فالانشغال يظل انشغالًا، سواء كان الموظف يفرز تذاكر روتينية أو يتعامل مع مشكلة تتطلب منه فعلًا توسيع مهاراته وقدراته. ولذلك، فإن استقرار حجم العمل أو ارتفاعه لا يجيب عن السؤال الأهم. إنه يؤكد أن شيئًا ما قد تغير، لكن ما يستحق الدراسة هو إلى أين انتقل هذا العمل.

اتجاه التحول الذي يقوده الذكاء الاصطناعي

هنا تصبح الأدلة أقل طمأنة. فقد انتقل العمل فعلًا، لكن يبدو أن جزءًا كبيرًا منه تحرك بشكل جانبي بدلًا من الارتقاء إلى مستويات أعلى. ويقول نحو نصف المشاركين إن إدارة أدوات الذكاء الاصطناعي وعمليات التكامل معها أضافت إلى حجم عملهم، فيما تشير نسبة مماثلة إلى الوقت الذي تستغرقه مراجعة مخرجات الذكاء الاصطناعي والتحقق من صحتها. بينما تعمل فرق أخرى على تدريب النماذج، ومعالجة حالات الفشل، وحوكمة القرارات.

تتطلب الأتمتة الموثوقة إشرافًا مستمرًا، كما أن الحوكمة والتحقق من صحة المخرجات يحملان قيمة حقيقية. لكن ذلك يختلف عن مسار التطور الذي تصوره كثيرون. فبدلًا من الانتقال من معالجة الحوادث إلى منعها، قد ينتقل الموظف من تنفيذ مهمة يدويًا إلى التحقق من أن الذكاء الاصطناعي أنجزها بالشكل الصحيح. لقد تغير النشاط، لكنه لم يتحرك كثيرًا إلى أعلى سلسلة القيمة.

وقد يبعث هذا الاكتشاف على خيبة الأمل. لكنه لا يمثل حكمًا على الذكاء الاصطناعي، لأن الذكاء الاصطناعي نفسه لم يحدد اتجاه هذا التحول. بل ينشأ ذلك من القرارات المتعلقة ببيئة تشغيله، وما يُطلب منه تحسينه، وكيفية تقييم النجاح. وبالنسبة إلى العديد من الفرق، يبدو أن هذه القرارات تحدث تلقائيًا، بدلًا من أن تكون نتيجة تصميم متعمد.

البيانات تحدد مقدار العمل الذي يبقى

تمثل جودة البيانات نقطة التحول الأساسية. ويحدد التقرير ضعف جودة البيانات باعتباره السبب الرئيسي وراء عدم تحقيق الذكاء الاصطناعي للنتائج المرجوة. فإذا كانت المعلومات التي تغذي النظام غير مكتملة أو غير متسقة، فقد ينتج الذكاء الاصطناعي إجابة بسرعة أكبر، من دون أن تكون بالضرورة إجابة يمكن الوثوق بها. وعندها يقضي الموظفون الوقت الذي تم توفيره في التحقق من المخرجات وتصحيح الأخطاء.

لم يختفِ عبء العمل، بل انتقل من التنفيذ اليدوي إلى التصحيح اليدوي، وربما يكون ذلك أوضح مثال على التحول الجانبي الذي يرصده التقرير. وتؤدي البيانات الأقوى والأعلى جودة إلى تقليل عمليات التحقق والإصلاح المطلوبة حول كل مهمة مؤتمتة. وعندها يبقى جزء أكبر من الساعة التي تم توفيرها متاحًا للتحول إلى عمل آخر.

القياس يحدد ما يُحتسب تقدمًا

يعتمد ما يحدث لهذه القدرة المتاحة جزئيًا على ما تختار المؤسسة ملاحظته وقياسه. ويصف 21% فقط من المشاركين أسلوب القياس لديهم بأنه يركز على النتائج أو تجربة المستخدم. بينما يركز معظمهم على النشاط أو الإنتاجية، مثل حجم التذاكر ومدة حلها. وتكون المؤسسات التي تعتمد على قياس النشاط أكثر عرضة بـ2.4 مرة للإبلاغ عن زيادة أحجام العمل مقارنةً بالمؤسسات التي تتبنى نهجًا يركز على النتائج.

وتوضح هذه النتيجة وجود ارتباط، لكنها لا تثبت أن مقاييس النشاط تتسبب في زيادة أحجام العمل. ومع ذلك، فهي تفسر سبب أهمية أسلوب القياس. فالفريق الذي يتم تقييمه بناءً على عدد التذاكر التي يحلها لديه حافز واضح لاستخدام الذكاء الاصطناعي لحل المزيد من التذاكر. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة القدرة وتحسين أداء الخدمة، لكنه قد يبقي الموظفين منشغلين بحجم متزايد من العمل نفسه.

وتقدم مقاييس النتائج اختبارًا مختلفًا. فقياس الحوادث التي تم منعها، وجودة الخدمة، وتجربة الموظفين، أو الاضطرابات التي تؤثر في الأعمال، يتطلب من القادة النظر في ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قد غيّر طبيعة العمل، وليس مجرد تسريعه. ويصبح مسار الجهد البشري جزءًا من تعريف النجاح. وعندها يجب تحديد مسار الارتقاء إلى أعمال أعلى قيمة وتصميمه، بدلًا من افتراض حدوثه تلقائيًا.

الاتجاه يبدأ من مكان تطبيق الذكاء الاصطناعي

يؤدي اختيار نقطة البداية إلى مضاعفة تأثيرات البيانات والقياس. ويجد التقرير أن أوضح العوائد تظهر عندما تكون مسارات العمل منظمة، ومتكررة، وقابلة للقياس. إذ تستطيع الفرق تحديد الأداء الجيد واكتشاف الأخطاء من دون إنشاء عمليات موازية واسعة النطاق حول التقنية.

أما إضافة الذكاء الاصطناعي إلى أدوات مجزأة أو مسارات عمل غير واضحة، فتخلق نقاط تكامل واستثناءات يتعين على الموظفين إدارتها. وتستهلك هذه الجوانب القدرة التي كان من المفترض أن توفرها الأتمتة. ولا يضمن توجيه الذكاء الاصطناعي نحو عملية واضحة انتقال الموظفين إلى أعمال أعلى قيمة، لكنه يقلل من العوائق التي تمنع العمل من الارتقاء.

يجب تصميم مسار الارتقاء

سيستمر اعتماد الذكاء الاصطناعي، وهذا أمر متوقع. وتوضح إدارة خدمات تكنولوجيا المعلومات (ITSM) أن الذكاء الاصطناعي يمكنه توفير الوقت، وتحسين الأداء، وتحقيق عائد. لكنها توضح أيضًا سبب عدم قدرة الأتمتة وحدها على تحقيق الوعد الأوسع الذي أُطلق باسمها. فالذكاء الاصطناعي يستطيع تولي مهمة، لكنه لا يستطيع تحديد نوع العمل الذي يستحق الوقت البشري الذي تم تحريره.

ويظل هذا القرار بأيدينا. فجودة البيانات تحدد مقدار القدرة المتاحة التي يتم الحفاظ عليها بعد توفير الوقت. ويؤثر أسلوب القياس في الوجهة التي تذهب إليها هذه القدرة. كما تحدد مسارات العمل التي يتم اختيارها للأتمتة مقدار أعمال المتابعة والصيانة التي تنشأ على طول الطريق. وإذا تُركت هذه الخيارات للعادات القائمة والضغوط قصيرة الأجل، فسيتغير مسار العمل بالفعل، لكنه على الأرجح سيتحرك بشكل جانبي.

وتتمثل الفرصة في جعل هذا الاتجاه مقصودًا ومدروسًا. فلم تعد إعادة توزيع العمل أمرًا افتراضيًا، وبدأنا بالفعل في قياسها بالأرقام. أما انتقال العمل بشكل جانبي أو ارتقاؤه إلى مستويات أعلى، فيعتمد الآن على التعامل مع العمل البشري الأعلى قيمة باعتباره نتيجة يجب على القادة العمل على تحقيقها بشكل فعال.

بقلم عبد الرحمن طارق بوت، المدير الإقليمي – الشرق الأوسط لدى SolarWinds