Home » إختيارات المحرر » لماذا الثقة هي الهدف الحقيقي للهجمات الإلكترونية

عندما تتسبب هجمة إلكترونية في توقف نظام ما، كان رد الفعل العام الفطري تقليديًا متوقعًا: الانتظار لإصلاح العطل، الافتراض بأن الخدمة ستستأنف خلال ساعات قليلة، ثم المضي قدمًا. كان هذا الإيقاع المعتاد للانقطاعات. لكن في عام 2025، يحدث تحول دقيق وعميق يعيد تعريف هذا النمط. اليوم، لم يعد الناس يسألون فقط متى ستعود الأنظمة للعمل؛ بل يسألون عما إذا كان بإمكانهم الثقة بهذه الأنظمة مرة أخرى.

لطالما اعتُبرت فترات التوقف مشكلة تقنية. يعمل المهندسون على إصلاح الأنظمة، واستعادة وظائفها، وضمان استئناف العمليات. لكن تآكل الثقة يحدث على مستوى مختلف. على عكس الانقطاعات، التي تكون مؤقتة وملموسة، فإن فقدان الثقة غير ملموس، طويل الأمد، وأكثر تكلفة بكثير. في المشهد السيبراني المتطور، لم تعد الهجمات التي تزعزع البنية التحتية الحيوية تتوقف عند حد تعطيل العمليات؛ بل أصبحت تقوض الثقة التي يعتمد عليها الحياة الحديثة.

لقد أنتج النصف الأول من عام 2025 بالفعل سلسلة من الأحداث البارزة التي تكشف مدى هشاشة هذه الثقة. وعلى الرغم من أن أوروبا كانت محور هذه الحوادث، إلا أن الدروس المستفادة منها ذات صلة عالمية. بالنسبة لمناطق مثل الشرق الأوسط، فإن البنى التحتية الرقمية سريعة التطور معرضة بشكل خاص لتأثيرات مماثلة إذا لم تُعزز الثقة بشكل نشط إلى جانب التقدم التكنولوجي.

شقوق في السماء: اضطراب المطارات الأوروبية

أحد أبرز الأمثلة على التهديد الجديد للثقة العامة حدث في سبتمبر 2025، عندما واجهت عدة مطارات أوروبية كبرى، بما في ذلك هيثرو، بروكسل، برلين، ودبلن، اضطرابات تشغيلية شديدة. وكان السبب هجوم إلكتروني استهدف نظام تسجيل الوصول والصعود إلى الطائرات MUSE التابع لشركة Collins Aerospace، وهو منصة مستخدمة على نطاق واسع في المطارات الأوروبية.

أدى الهجوم إلى فشل فوري لأكشاك تسجيل الوصول الآلية، وأنظمة وضع علامات الأمتعة، وعمليات الصعود إلى الطائرات. اضطر الموظفون إلى العودة للإجراءات اليدوية: بطاقات صعود مكتوبة بخط اليد، وطوابع أمتعة مطبوعة يدويًا، وطوابير طويلة عند شباك التذاكر. تأخرت الرحلات، تعطلت الجداول الزمنية، وواجه المسافرون حالة من عدم اليقين بشأن رحلاتهم لعدة أيام.

وأكدت Collins Aerospace، التابعة لشركة RTX، أن الاضطراب كان مرتبطًا بالهجوم السيبراني، مشددة على أن سلامة الطيران والتحكم في الحركة الجوية لم يتأثرا. ومع ذلك، رأى المحللون أن الحدث كان أكثر من مجرد عطل تقني معزول. فقد مثل نوعًا من هجمات سلسلة التوريد، يستغل منصة مشتركة لتعظيم التأثير على عدة جهات معنية في الوقت نفسه.

بالنسبة للمسافرين، كان الاضطراب محبطًا، لكنه زرع أيضًا شعورًا بعدم الطمأنينة. إذا كان بالإمكان اختراق نظام تسجيل الوصول في المطار إلى هذا الحد، فماذا عن هشاشة الأنظمة الأخرى التي نعتمد عليها يوميًا، مثل شبكات الطاقة، ووسائل النقل، ومنصات البنوك، أو الخدمات الحكومية؟

لأول مرة، تحولت الإزعاجات التشغيلية إلى سؤال وجودي: هل يمكن الثقة بالأنظمة التي نعتمد عليها لإدارة حياتنا الحديثة؟

 

عندما يصبح الهجوم السيبراني ماديًا: حادثة سد النرويج

 

لا يقتصر تآكل الثقة على الواجهات الرقمية فقط. ففي أبريل 2025، كان سد في بريمانجر بالنرويج هدفًا لهجوم سيبراني-فيزيائي، مما يوضح الخط الفاصل المتزايد الضبابية بين الثغرات الرقمية والعواقب الواقعية.

أكدت السلطات أن القراصنة تمكنوا من الوصول عن بُعد إلى أحد صمامات السد، وزيادة تدفق المياه بما يقارب 497 لترًا في الثانية فوق الحد الأدنى لمدة أربع ساعات. وعلى الرغم من عدم وقوع أي ضحايا، كان الأثر الرمزي كبيرًا. ووفقًا لبياتي جانغاس، رئيسة جهاز الأمن في الشرطة النرويجية (PST)، بدا أن الهجوم صُمم لإظهار القدرة، وترهيب الجمهور، وإثارة حالة من عدم اليقين.

وقد جعل مقطع فيديو يُظهر لوحة التحكم، ونُشر على تطبيق Telegram ومُعلَّم باسم مجموعة القراصنة، الأثر النفسي واضحًا جدًا.

على عكس اختراق البيانات البسيط أو انقطاع الخدمة، كان هذا تلاعبًا مباشرًا بالبنية التحتية المادية. وقد كشف أن الهجمات الرقمية يمكن أن تتجاوز السرقة المالية أو توقف الأنظمة لتصل إلى تهديد أنظمة ملموسة وواقعية يُفترض أنها آمنة. والدروس هنا واضحة: عندما يمكن العبث بالبنية التحتية عن بُعد، فإن ذلك يقوض الثقة العامة ليس فقط بالنظام، بل بالسلطات والمؤسسات التي تشغّله.

 

لماذا تثير هذه الحوادث الشكوك

رغم اختلاف الحوادث في المطارات والسدود من حيث الخصائص التقنية، إلا أن لها نتيجة مشتركة: فهي تقوض الثقة العامة. فالتعطلات التشغيلية مؤقتة، بينما يظل الشك مستمرًا. وفهم سبب حدوث ذلك يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من المخاطر التقنية، ليشمل الأبعاد الاجتماعية والنفسية.

 

الفشل يكون مرئيًا ومحسوسًا

عندما يتغير تدفق المياه في سد أو تتوقف أكشاك تسجيل الوصول عن العمل، تكون العواقب فورية وملموسة. على عكس المخاطر السيبرانية المجردة، فإن هذه الإخفاقات تؤثر على الناس بشكل مباشر. التأخيرات، والارتباك، والشعور بالعجز تخلق صدى عاطفيًا لا يمكن للإصلاحات التقنية وحدها معالجته.

المنصات المشتركة تخلق مخاطر مشتركة

سلط حادث المطارات الضوء على هشاشة منهجية. فعندما تعتمد عدة مطارات على منصة واحدة لمورد معين، يمكن أن يؤدي الاختراق في موقع واحد إلى تأثير متسلسل على العديد منها. توفر المنصات المشتركة هشاشة مشتركة. وفي عالم مترابط للغاية، تكون الثقة بطبيعتها جماعية؛ فعندما يتم اختراق عقدة واحدة، تتراجع الثقة في الشبكة بأكملها.

طمس الحدود بين الرقمي والمادي

أظهر هجوم سد النرويج أن التهديدات السيبرانية لم تعد محصورة في الخوادم أو الشبكات فقط. فقد أصبحت البنية التحتية المادية، مثل المياه والطاقة ووسائل النقل، معرضة الآن للتلاعب الرقمي. والتداعيات على تصور الجمهور عميقة: فالناس لا يخشون مجرد انقطاع الخدمة فحسب، بل يخشون أن تكون الأنظمة نفسها قابلة للسيطرة من قبل جهات خارجية.

المهاجمون يستهدفون التأثير النفسي

نادراً ما تكون الهجمات السيبرانية الحديثة عرضية. فهي غالبًا مصممة لإثارة القلق. فالعلامات المرئية للتلاعب، مثل لوحات التحكم المخترقة أو أنظمة المطارات المشلولة، تزيد من حدة الخوف. ويجد المواطنون أنفسهم يتساءلون: من وراء هذا؟ هل يمكن أن يحدث هنا؟ وهل سيتكرر مرة أخرى؟

الصدى العالمي يغذي القلق المحلي

على الرغم من أن هذه الأحداث وقعت في أوروبا والنرويج، إلا أن تداعياتها تمتد عالميًا. بالنسبة لدول الشرق الأوسط التي تشهد تحولًا رقميًا سريعًا، فهي بمثابة دروس تحذيرية. وتؤكد هذه الأحداث أن التهديدات بلا حدود، وأن الدروس المستفادة من الخارج لها صلة مباشرة بتخطيط الصمود المحلي.

الدروس والحقائق

بالنسبة للشرق الأوسط، فإن مخاطر الأمن السيبراني ليست فرضية؛ بل هي واقع ملح. فالدول في الخليج والمنطقة الأوسع تبني أنظمة بيئية رقمية متقدمة، ومدنًا ذكية، وشبكات نقل مؤتمتة، ومرافق رقمية بالكامل، ومنصات مالية متكاملة. تعد هذه الأنظمة بالكفاءة والراحة، لكنها في الوقت نفسه تزيد من التعرض للتهديدات السيبرانية.

التحول الرقمي السريع، وتزايد التعرض للخطر

التقنيات نفسها التي تدعم المدن الذكية الحديثة تزيد أيضًا من مساحة الهجوم المحتملة. فالمناصات المشتركة للموردين، والخدمات الرقمية المركزية، والأنظمة الحيوية المترابطة تخلق تبعيات منهجية. ويمكن لاختراق واحد أن ينتشر بسرعة، ويعطل عدة قطاعات في الوقت نفسه، تمامًا كما حدث في مطارات أوروبا.

 

الدفاع الاستباقي، لكن الثقة هي المهمة الحقيقية

تتخذ الحكومات والمنظمات في المنطقة إجراءات لتعزيز الأمن، وتشمل هذه:
الاستثمار في التكرار ووسائل التحكم البديلة: يتم اختبار وتوثيق سير العمل البديل والإجراءات اليدوية لضمان استمرارية العمليات أثناء الأزمات.
تطوير شبكات استخبارات التهديد الإقليمية: يتيح تبادل بيانات التهديدات في الوقت الحقيقي بين القطاعين العام والخاص كشف التهديدات والاستجابة لها بشكل أسرع.
إجراء تدريبات مشتركة بين القطاعين العام والخاص لتعزيز الصمود: تساعد المحاكاة والاختبارات الضغطية المشغلين والمواطنين على فهم كيفية استجابة الأنظمة تحت الضغط.
التواصل المفتوح مع المواطنين: الشفافية قبل وأثناء وبعد الحوادث تعزز الثقة، وتضمن أن يكون الناس على اطلاع وطمأنينة بدلًا من القلق.

يعكس هذا النهج رؤية أساسية: فالصمود السيبراني ليس مجرد التزام تقني؛ بل هو واجب اجتماعي. فالحفاظ على الثقة العامة لا يقل أهمية عن استعادة الوظائف التشغيلية.

 

الثقة الإقليمية، والدروس العالمية

توضح الأحداث في أوروبا والنرويج حقيقة عالمية: مجرد استمرار التشغيل ليس كافيًا. يجب على البنية التحتية الحديثة كسب الثقة باستمرار. بالنسبة لدول الشرق الأوسط، الهدف المزدوج واضح: منع التعطلات التقنية وحماية ثقة الجمهور. فالنظام الذي يعمل ولكنه غير موثوق يُعتبر عمليًا مُعرضًا للخطر.

الأولوية السيبرانية الجديدة

إذا كان الشك أصبح الآن أغلى تكلفة نتيجة للحوادث السيبرانية، فإن الصمود لا يمكن قياسه فقط بساعات توقف النظام التي تم تجنبها. بل يجب أن يشمل الشفافية، والتكرار المرئي، والتعاون، وتثقيف الجمهور.

الشفافية أمر لا نقاش فيه

عند حدوث الحوادث، يجب على المؤسسات التواصل بوضوح حول ما حدث، وكيف حدث، وما التدابير المتخذة لمنع تكراره. فالصمت أو التعتيم يمكن أن يزيد الخوف والتكهنات، ويقوض الثقة أكثر من الانقطاع نفسه.

 

الصمود المرئي بدل النسخ الاحتياطية المخفية

تعد الأنظمة الاحتياطية وإجراءات الطوارئ ضرورية، لكن يجب أن تكون مرئية. يحتاج الناس إلى رؤية أن أنظمتهم الحيوية ليست فقط عاملة، بل مصممة عمدًا لتحمل الهجمات. تساعد التدريبات الشفافة، والعروض التوضيحية، والتقارير المباشرة في نقل مدى المتانة.

التعاون العميق عبر القطاعات

تعمل البنية التحتية الحيوية عبر الحدود بين القطاعين العام والخاص. يجب على الحكومات، ومقدمي خدمات السحابة، وشركات البنية التحتية، ووكالات الأمن السيبراني التنسيق بشكل وثيق. فالتهديدات مترابطة؛ لذا يجب أن تكون الدفاعات متكاملة أيضًا. تتطلب المنصات المشتركة مسؤولية مشتركة، والاستراتيجيات المتماسكة للاستجابة تقلل من الأثرين التشغيلي والنفسي.

تثقيف الجمهور

الجمهور الواعي هو جمهور resilient. تساعد حملات التوعية، والتقارير الشفافة عن الحوادث، وشرح التدابير الوقائية المواطنين على فهم المخاطر دون الذعر. وعندما يرى الناس أن التدابير الوقائية موجودة، تستمر الثقة حتى في ظل التهديد.

 

التطلع إلى المستقبل: الحدود الجديدة للثقة السيبرانية

تكشف حوادث عام 2025 عن تحول في مشهد التهديدات السيبرانية. فالنتيجة الأكثر خطورة للهجوم السيبراني لم تعد الفشل التقني نفسه، بل تآكل الثقة. عندما تتزعزع الأنظمة التي تدعم الحياة الحديثة، لا تتأثر العمليات فقط، بل تتزعزع المعتقدات أيضًا.

البنية التحتية مثل المطارات، والسدود، وشبكات الطاقة، ووسائل النقل ليست مجرد منشآت تقنية. فهي تحمل معنى اجتماعيًا، وتمثل الاعتمادية، وتجسد الثقة. وعند اختراقها، يمكن أن يستمر الأثر الاجتماعي والنفسي شهورًا أو حتى سنوات بعد انتهاء الاضطراب التقني.

في الشرق الأوسط، يشكل هذا الفهم الاستراتيجية المستقبلية. لم يعد الصمود يتعلق بحماية البيانات أو ضمان استمرارية التشغيل فقط؛ بل أصبح مهمة مقصودة للحفاظ على الثقة. يجب أن تصمد الأنظمة أمام الهجمات، نعم، لكن يجب أيضًا أن يُنظر إليها على أنها صامدة. ويجب أن يثق المواطنون في أن مدنهم الرقمية، ومرافقهم، وشبكات النقل الخاصة بهم ستستمر في العمل بأمان، حتى تحت الضغط.

لأن في هذا العصر الجديد، قد لا يكون التهديد الأكبر ما هو معطل، بل ما يعتقد الناس أنه قد يُعطل. فالشك، بمجرد زرعه، يمكن أن يتسبب في عواقب متسلسلة، تبطئ تبني الخدمات الرقمية، وتقوض الحوكمة، وتخلق ترددًا في اتخاذ القرارات الحيوية.

يواجه الآن متخصصو الأمن السيبراني، ومشغلو البنية التحتية، وصانعو السياسات مسؤولية مزدوجة: منع الحوادث وحماية الثقة. ويتطلب ذلك نهجًا شاملًا يدمج الجوانب التقنية والنفسية والاجتماعية. فالإستثمار في التكنولوجيا المتينة أمر حيوي، لكن الاستثمار في الثقة العامة لا يقل أهمية.

المعيار الحقيقي للصمود في 2025 ليس مدى سرعة استعادة الأنظمة، بل مدى استمرار الحفاظ على ثقة الجمهور. في عالم يعتمد بشكل متزايد على الأنظمة الرقمية، الثقة هي عملة الاستقرار. وكما أظهرت أوروبا والنرويج، بمجرد فقدان الثقة، قد يكون استعادتها أصعب بكثير من أي شبكة أو خادم.

الدرس للشرق الأوسط، وللعالم بأسره، واضح: في العصر الرقمي، الشك أخطر من التوقف عن العمل. وحمايته يتطلب اليقظة، والانفتاح، والبصيرة. فالأنظمة التي تدعم الحياة الحديثة يجب أن تكون آمنة وموثوقة، لأنه في النهاية، البنية التحتية الأكثر أهمية ليست الأجهزة أو البرمجيات، بل إيمان الناس الذين يعتمدون عليها.