Home » إختيارات المحرر » الذكاء الاصطناعي ليس السحر الذي نعتقده

بدأ الأمر بنقرة واحدة، حين فتح موظف رسالة بريد إلكتروني بدت عادية، تحتوي على فاتورة من مورد موثوق. لكنها لم تكن من إنسان، بل صُمِّمت بواسطة الذكاء الاصطناعي. وبعد دقائق، تم اختراق أنظمة الشركة.

هذه هي حقيقة الذكاء الاصطناعي في عام 2025؛ فهو محرّك للابتكار والإبداع، لكنه في الوقت ذاته يشكل تحديًا لأمننا وثقتنا.

في مختلف الصناعات، يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولًا في طريقة إنجاز الأعمال. ووفقًا لاستبيان أُجري في عام 2024، فإن 78٪ من المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي بانتظام لتحسين الإنتاجية واتخاذ القرار، وهي نسبة تضاعفت تقريبًا مقارنة بالعام السابق.

كما يشهد الإنفاق على الذكاء الاصطناعي ارتفاعًا كبيرًا، إذ تتوقع شركة IDC أن تتجاوز الاستثمارات العالمية في هذا المجال مئات المليارات بحلول نهاية عام 2025. أما في الشرق الأوسط وأفريقيا، فمن المتوقع أن يقفز الإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي من 4.5 مليارات دولار في عام 2024 إلى أكثر من 14 مليار دولار بحلول عام 2028.

ويعكس هذا النمو القناعة المتزايدة بأن الذكاء الاصطناعي يعزز النمو الاقتصادي والميزة التنافسية. وتشير تقديرات شركة PwC إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يُضيف 15.7 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، فيما قد تحقق منطقة الشرق الأوسط وحدها نحو 320 مليار دولار من هذه القيمة.

غير أن هذا النمو لا يخلو من التحديات؛ إذ تثير وتيرة تبني الذكاء الاصطناعي تساؤلات حول الأخلاقيات والشفافية وتأثيره على البشر. وفي هذا السياق، يُحذّر مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد من البصمة البيئية والمخاطر التحيزية المرتبطة بالنماذج الضخمة.

لذا، تتجه المؤسسات إلى حوكمة أكثر ذكاءً للذكاء الاصطناعي، تركز على السياسات الواضحة، والنشر المسؤول، والمراقبة المستمرة. ووفقًا لـ IDC، فإن غالبية الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في عام 2025 ستكون مدمجة ضمن المنتجات والمنصات الحالية، وليس عبر أنظمة مستقلة، مما يعزز أهمية الحوكمة.

كما يشهد سوق المواهب تحولًا لافتًا، حيث يكشف “مؤشر وظائف الذكاء الاصطناعي لعام 2025” من PwC عن ارتفاع في الطلب على المهارات المختلطة والأدوار المتخصصة، مما يعيد تشكيل أسواق العمل ويوفر فرصًا جديدة.

فكيف ينجح القادة في هذا المشهد المتغير بسرعة؟

أولًا، من خلال قياس تأثير الذكاء الاصطناعي على الأفراد، وليس فقط على التكنولوجيا، عبر تتبع تحسين جودة العمل، واتخاذ القرار، ورفاه الموظفين، إلى جانب المؤشرات التقنية.

ثانيًا، ببناء أطر عمل تُعزِّز الشفافية وتمكِّن المستخدمين، من خلال سياسات مبسطة، ومسارات تصعيد واضحة، وأدوات لرصد الاستخدام غير المقصود للذكاء الاصطناعي.

ثالثًا، بمواءمة استراتيجيات الذكاء الاصطناعي مع الأولويات المحلية، حيث يعني ذلك في الشرق الأوسط الاستفادة من المبادرات الوطنية، وبرامج تنمية المواهب، والاستثمارات في البنية التحتية.

وفي هذا السياق، تحدثنا مع بيتر أوغانيزيان، المدير العام لشركة HP في الشرق الأوسط وشرق أفريقيا، حول هذه اللحظة الحاسمة، فقال:

“في عام 2025، لم يعد الذكاء الاصطناعي مفهومًا مستقبليًا، بل أصبح محرّكًا ملموسًا للتحول في المنطقة وخارجها. وفي HP، لا نراه بديلًا للإمكانات البشرية، بل محفزًا قويًا لها، يُمكننا من توفير تجارب عمل مخصصة، ويُعزِّز التعاون، ويمكّن الشركات من الابتكار بشكل مسؤول. القصة الحقيقية للذكاء الاصطناعي اليوم تكمن في قدرته على الموازنة بين الأداء العالي والتأثير الإنساني المستدام.”

وتُذكّرنا هذه الرؤية بأن الذكاء الاصطناعي لا يتمحور فقط حول الأتمتة أو السرعة، بل حول الابتكار الذي يضع الإنسان في قلب العملية، ويقود نموًا مسؤولًا.

فحادثة البريد الإلكتروني في البداية لم تكن فشلًا تقنيًا فحسب، بل فشلًا في الإجراءات. والمستقبل سيكون حليف المؤسسات التي تصمّم حلول الذكاء الاصطناعي بثقة وأمان وتأثير إيجابي.

الذكاء الاصطناعي مثير للإعجاب، لكنه ليس سحرًا. فهو لا يتجاوز جودة من يطوره ويستخدمه. وإذا ركزنا فقط على السرعة والقوة دون التفكير في التأثير، سنفقد الهدف الحقيقي. أما النجاح الحقيقي، فهو في الوصول إلى ذلك التوازن الذي يجعل الذكاء الاصطناعي يُسهّل الحياة، ويُعزز ذكاء الأعمال، ويُحسن المجتمع، دون أن نغفل عن الإنسان الذي يقف في قلب كل شيء.