Home » رأي الخبراء » تكنولوجيا المعلومات السيادية تتطلب حماية أقوى للملكية الفكرية

مع تسارع دول الشرق الأوسط لبناء أنظمة بيئية رقمية سيادية، لم يعد الأصل الاستراتيجي الحقيقي يقتصر على البنية التحتية فحسب، بل أصبح يتمثل في الملكية الفكرية التي تُنتجها هذه الأنظمة وتحميها. في هذا المقال التحليلي، يستعرض رامي حازم، المدير الإقليمي للمبيعات لمنطقة الخليج والمشرق في شركة OPSWAT، أسباب تحوّل حماية الملكية الفكرية إلى عنصر أساسي لضمان القيمة الوطنية طويلة الأمد، والمرونة، والريادة الرقمية.

يشهد الشرق الأوسط تحولًا عميقًا. فلم تعد الحكومات تكتفي برقمنة الخدمات، بل باتت تبني أنظمة بيئية رقمية سيادية مصممة لإنشاء الملكية الفكرية الوطنية والاحتفاظ بها وتحقيق عوائد منها. وأصبحت منصات الحوسبة السحابية السيادية، وبرامج الذكاء الاصطناعي الوطنية، وبُنى البيانات على مستوى الحكومات، تشكّل اليوم أساس الاستراتيجية الاقتصادية، وليس مجرد تحديث لتكنولوجيا المعلومات.

ويتجلى هذا الطموح بوضوح في مختلف أنحاء المنطقة. إذ صُممت استثمارات دولة الإمارات في البنية التحتية فائقة التوسع وبيئات السحابة السيادية لاستضافة أعباء العمل الوطنية الحساسة والأبحاث المتقدمة. كما تدمج المشاريع العملاقة في المملكة العربية السعودية المنصات الرقمية في صميمها، مولّدة كميات هائلة من البيانات التشغيلية والتصميمية المملوكة منذ اليوم الأول. وفي البحرين، يبرز التوجه نحو تطوير ملكية فكرية عالية القيمة في قطاع الأدوية، مدعومًا بشراكات متقدمة في الحوسبة والذكاء الاصطناعي، كمثال واضح على ارتباط البنية الرقمية اليوم مباشرةً بالقدرة التنافسية الوطنية.

وما يميز الشرق الأوسط هو قدرته على بناء هذه البيئات بشكل مقصود ومدروس. فعلى عكس العديد من الاقتصادات الرقمية المتقدمة التي تقيدها أنظمة قديمة تعود لعقود، تستطيع دول المنطقة تصميم تكنولوجيا معلومات سيادية بوضوح في الملكية والحوكمة والهدف الاستراتيجي منذ البداية. والأهم من ذلك، أن صناديق الثروة السيادية تمكّن من تنفيذ هذه الرؤية بسرعة، عبر توظيف رؤوس أموال كبيرة وطويلة الأجل لتمويل المنصات الوطنية والبنية التحتية الحيوية وبناء القدرات الرقمية المستدامة، دون القيود قصيرة الأمد التي تواجهها مناطق أخرى.

وتُشكّل هذه العوامل مجتمعة فرصة ليس فقط للحاق بالركب، بل لقيادة العالم في كيفية تصميم الأنظمة الرقمية السيادية وتأمينها وإدارتها.

الأصل الذي يهم حقًا: الملكية الفكرية

رغم أن هذه التطورات إيجابية للغاية، فإنها تطرح خطرًا كامناً غالبًا ما يتم التقليل من شأنه. مع نضوج هذه المنصات، لن يكون الأصل الأكثر قيمة هو مراكز البيانات الضخمة للذكاء الاصطناعي والاستثمارات الأخرى في البنية التحتية المادية بمليارات الدولارات، بل الملكية الفكرية التي تحتفظ بها هذه الأنظمة. ويشمل ذلك بيانات المواطنين، والبيانات التشغيلية، والتصاميم الصناعية، ونماذج الذكاء الاصطناعي، وخوارزميات التحسين، والمجموعات الوطنية للبيانات التي ستدعم النمو المستقبلي، والمرونة، والتنويع الاقتصادي.

لم يعد حماية هذه الملكية الفكرية مجرد مسألة قانونية أو امتثال: بل أصبحت قضية أمن اقتصادي تتعرض لتهديد متزايد.

لماذا ستكون الهجمات الأكثر خطورة رقمية وليست مادية

مع توسع البيئات الرقمية السيادية، تصبح الهجمات أمرًا لا مفر منه. ليس لأن الأنظمة مصممة بشكل سيء، بل لأن قيمتها تجعلها أهدافًا جذابة. وفي منطقة تعمل في ظل توترات جيوسياسية ووعي متزايد بالأمن المادي، من الطبيعي التركيز على التهديدات المرئية. ومع ذلك، الواقع هو أن أكثر الهجمات فعالية على الملكية الفكرية الوطنية لن تكون مادية، بل رقمية.

توفر العمليات السيبرانية للخصوم قدرًا من عدم الكشف عن الهوية. فهي تتيح السرقة دون إمكانية التعرف على الجهة الفاعلة، والتعطيل دون تحذير، والتأثير دون تصعيد. لا تحتاج الاختراقات الناجحة إلى تدمير الأنظمة لتكون مؤذية. فالاستحواذ الصامت على البيانات المملوكة أو النماذج أو المعلومات التشغيلية يمكن أن يقوّض سنوات من الاستثمار ويغيّر الميزة التنافسية بشكل دائم.

بالنسبة لمشغلي البنية التحتية الوطنية الحرجة، تمتد العواقب إلى ما هو أبعد من فقدان البيانات. إذ يمكن للملكية الفكرية المخترقة أن تُضعف الخدمات الأساسية، وتقوّض ثقة الجمهور، وتحدث تأثيرات متسلسلة عبر سلاسل الإمداد والاقتصادات. وفي قطاعات مثل الطاقة والمياه والرعاية الصحية والنقل، يكون الحد الفاصل بين الملكية الفكرية واستمرارية العمليات ضعيفًا جدًا.

لم يعد الأمن السيبراني القائم على الثقة كافيًا

تقليديًا، بُنيت الدفاعات الرقمية لمنع مثل هذه التهديدات على نهج قائم على الثقة. فالجدران النارية، وتقسيم الشبكات، وضوابط الوصول تفترض أنه مع وجود مراقبة وحوكمة كافيتين، يمكن للأنظمة التعايش بأمان. لكن في البيئات السيادية المعقدة والمترابطة بشكل متزايد، يصبح هذا الافتراض هشًا، لأن الثقة يمكن استغلالها.

القادة المسؤولون عن البنية التحتية المادية يفهمون ذلك حدسياً. فنحن لا نعتمد على اللافتات وحدها لإبعاد المركبات عن المدارج أو منع الأشخاص غير المصرح لهم من دخول غرف التحكم. بل نبني حواجز، ونصمّم المساحات بحيث إذا ارتكب شخص ما خطأً، يتم احتواء العواقب. ومع ذلك، في العالم الرقمي، غالبًا ما تكون الصورة عكس ذلك: الأنظمة متصلة ببعضها البعض، وتكتفي المؤسسات بالأمل أن قواعدها ستصمد تحت الضغط.

نقل الحواجز المادية إلى العالم الرقمي

هنا تصبح فكرة التفكير أحادي الاتجاه، التي تتحقق باستخدام صمامات البيانات (Data Diodes)، أمرًا حيويًا. ويمكن فهم صمام البيانات ليس كمنتج للأمن السيبراني، بل كمبدأ مادي يُطبَّق على الأنظمة الرقمية. فهو يفرض تدفق البيانات في اتجاه واحد على مستوى الأجهزة، مما يسمح للمعلومات بالخروج من بيئة محمية بينما يجعل من المستحيل فعليًا لأي شيء العودة إلى الداخل. فكر فيه كصمام أحادي الاتجاه في خط أنابيب: يمكن للبيانات أن تتدفق في الاتجاه الذي تريده، لكن لا يوجد آلية، سواء كانت عرضية أو خبيثة، لعكس هذا التدفق. ومع عدم وجود سياسة برمجية لتجاوز الصمام، لا توجد علاقة ثقة يمكن استغلالها.

بالنسبة للبيئات السيادية التي تحتضن ملكية فكرية عالية القيمة أو تشغل بنية تحتية حيوية مثل شبكات الطاقة، ومصادر المياه، وأنظمة النقل، فإن هذا الأمر مهم للغاية. فالتدفقات أحادية الاتجاه تسمح للأنظمة التشغيلية الحساسة، أو منصات البحث، أو بيئات الإنتاج بمشاركة المعلومات مع منصات التحليلات الوطنية، ومحركات الذكاء الاصطناعي، والمنظمين، أو مراكز العمليات الأمنية، دون تعريض الأنظمة المصدرية لأي وصول وارد.

الحماية دون التضحية بالرؤية والتحليل

يغيّر هذا النهج معادلة المخاطر بشكل جذري. إذ يمكن تحليل الملكية الفكرية، وإعداد تقارير عنها، وتحقيق عائد منها دون تعريضها للخطر. وحتى إذا تم اختراق أنظمة تكنولوجيا المعلومات للشركات، أو بيئات الشركاء، أو المنصات الخارجية، تبقى الأنظمة الأساسية التي تُنشأ فيها الملكية الفكرية معزولة حسب التصميم.

والأهم أن هذا النهج ليس ضد الابتكار. على العكس، فهو يمكّن من التحول الرقمي الآمن. ومع تبني الحكومات والمشغلين للذكاء الاصطناعي، وتحليلات السحابة، والمنصات الوطنية للبيانات، تتيح البنى أحادية الاتجاه القيام بذلك دون إعادة فتح الأنظمة القديمة أو الحيوية لمهامها أمام تهديدات جديدة. إنه طريقة للتحديث دون المجازفة بالأصول الوطنية.

بالنسبة لمجالس الإدارة والقادة التنفيذيين، تصبح المحادثة أكثر وضوحًا. بدلاً من الجدال حول الأدوات والضوابط التقنية، يتحول التركيز إلى النتائج التي تشمل حماية الملكية الفكرية، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، وحماية القيمة الاقتصادية طويلة الأجل المضمنة في المنصات الرقمية السيادية.

من حماية الشبكات إلى حماية النتائج الوطنية

مع بناء دول الشرق الأوسط للبنية التحتية الرقمية التي تضاهي أكثر اقتصادات العالم تقدمًا، يجب أن تتطور نماذج الأمن من مجرد حماية الشبكات إلى حماية النتائج. ففي بيئات يكون فيها الفشل غير مقبول، وحيث تشكّل الملكية الفكرية أساس الازدهار المستقبلي، يصبح تدفق البيانات أحادي الاتجاه نهجًا عمليًا وضروريًا.

تستحوذ المنطقة على تقدم مبكر في السباق العالمي نحو تكنولوجيا المعلومات السيادية. ومن المؤكد أن هذا الزعامة ستثير حسد المنافسين وغضب المهاجمين. لذا، فإن حماية الملكية الفكرية والأنظمة الحيوية حسب التصميم ستكون المفتاح لتحويل استراتيجية تكنولوجيا المعلومات السيادية إلى ميزة وطنية دائمة.

بقلم: رامي حازم – المدير الإقليمي للمبيعات، الخليج والمشرق في OPSWAT