Home » إختيارات المحرر » الخط الرفيع بين السلامة والأمن والتكنولوجيا

لم يعد العالم اليوم قابلاً للتقسيم ضمن حدود واضحة.

فالمبنى لم يعد مجرد خرسانة وحديد،

والمدينة لم تعد تُعرَّف فقط بالطرق والأفق العمراني.

لم يعد الأمن يقتصر على الكاميرات والحراس، كما لم تعد السلامة محصورة في أجهزة الإنذار وإشارات المخارج. فالصورة الحقيقية تقع في مكانٍ ما بين الاثنين. لقد باتت الأنظمة المادية، والشبكات الرقمية، والسلوك البشري تعمل ضمن بيئة مترابطة واحدة، وكذلك التهديدات.

من هجمات برامج الفدية التي تعطل المستشفيات، إلى الحملات السيبرانية التي تستهدف البنية التحتية الحيوية، مروراً بالفيضانات الحضرية المرتبطة بتغير المناخ، ووصولاً إلى أنظمة المراقبة المعززة بالذكاء الاصطناعي في الأماكن العامة، يتسم مشهد الأمن الحديث بتعدد طبقاته وتعقيده وتسارعه المستمر. وقد أصبح الخط الفاصل بين السلامة والأمن دقيقاً، فيما باتت التكنولوجيا هي العنصر الذي يربط بينهما.

وكان هذا التقارب واضحاً بشكل لافت خلال معرض Intersec 2026 في دبي. فالتجول في أروقة المعرض بدا أشبه بالدخول إلى غرفة تحكم مستقبلية حية، أكثر منه زيارة معرض تجاري تقليدي. كاميرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي تحلل سلوك الحشود في الزمن الحقيقي، وطائرات مسيّرة تفحص المنشآت الصناعية لرصد أي مؤشرات غير طبيعية، وأنظمة كشف الحرائق تتواصل مباشرة مع خدمات الطوارئ، ومنصات للأمن السيبراني تراقب شبكات تقنية المعلومات جنباً إلى جنب مع الأصول المادية المتصلة.

لم تعد الفواصل التقليدية بين الأمن والسلامة وتقنية المعلومات والاستجابة للطوارئ ذات صلة. وحلّ محلها نظام بيئي واحد تتحرك فيه البيانات بسلاسة، بما يتيح التنبؤ بالمخاطر بدلاً من الاكتفاء بردّ الفعل.

وجاء هذا الواقع ليشكّل الخلفية لإعلان Intersec Global من قبل ميسي فرانكفورت الشرق الأوسط». إذ تجمع المبادرة نسخ معرض Intersec في بوينس آيرس وأوروبا والسعودية وشنغهاي، إلى جانب شبكة Secutech في آسيا، تحت مظلة دولية واحدة. وعلى الورق، قد يبدو الأمر توحيداً للعلامات التجارية، إلا أنه في الواقع يعكس تحوّلاً أعمق.

ومن منظور صحفي، لا تكمن الأهمية الحقيقية في الاسم، بل في ما تسعى المنصة إلى تمثيله: قطاع يمر بمرحلة انتقالية، ينتقل من الحلول المجزأة إلى أنظمة متكاملة مدفوعة بالتكنولوجيا، ومبنية على مفهوم المرونة والاستدامة.

وخلال المؤتمر الصحفي، طرحت TECHx Media تساؤلات حول كيفية قياس النجاح، وكيفية التعامل مع الاستدامة على نطاق واسع. وهنا، تعمّد تيد بلوم، الرئيس التنفيذي لـ ميسي فرانكفورت الشرق الأوسط، الابتعاد عن المقاييس التقليدية مثل حجم المعرض أو أعداد الزوار، وركّز بدلاً من ذلك على الأثر.

وأوضح بلوم أن النجاح يُقاس بقدرة المنصة على فتح الأسواق أمام الشركات الدولية، وتعزيز الحوار العابر للحدود، وإنتاج رؤى مؤثرة من خلال المحتوى والقيادة الفكرية. فالقيمة لا تكمن في الحجم وحده، بل في التأثير والمصداقية وبناء الروابط، وتهيئة بيئة مناسبة للنقاشات الجوهرية، وليس فقط ملء قاعات العرض.

ومن منظور تنظيمي، عزز المهندس عارف الجناحي من هيئة تنظيم صناعة الأمن (SIRA) هذا الطرح، مشيراً إلى أهمية المنصات الموثوقة في منطقة قد تختلط فيها السرديات على وسائل التواصل الاجتماعي مع الواقع التنظيمي. وبالنسبة للشركات والمستثمرين الراغبين في دخول السوق الإماراتية والمنطقة الأوسع، تظل الوضوحية بشأن القوانين والمخاطر والفرص أمراً أساسياً.

وطرح الجناحي هذا الدور باعتباره مسؤولية مجتمعية تتجاوز البعد التجاري، من خلال جمع الجهات التنظيمية ومزودي التكنولوجيا والمستثمرين في مساحة مشتركة تتيح اتخاذ قرارات مبنية على المعرفة.

وعلى أرض المعرض، عكست التكنولوجيا نفسها الرسالة ذاتها. فقد تجاوزت سلامة الحرائق بكثير لوحات الإنذار التقليدية، حيث باتت أجهزة الاستشعار المدعومة بإنترنت الأشياء تغذي أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على التنبؤ بالمخاطر قبل تفاقمها. كما اندمجت أنظمة المراقبة مع الأمن السيبراني والتحليلات السحابية وتقنيات التعرف على الوجوه، ما يتيح إدارة المخاطر الرقمية والمادية من واجهة واحدة.

حتى أن الاستجابة للطوارئ والخدمات اللوجستية أصبحت اليوم قائمة على البرمجيات، تجمع بيانات المستشعرات، وتحدد الأولويات، وتتواصل مباشرة مع فرق الطوارئ. والرسالة واضحة: لم يعد الأمن الحديث قائماً على أدوات منفصلة، بل على الذكاء والتكامل والمرونة.

أما الاستدامة، التي كثيراً ما تُعامل كعنصر شكلي، فقد برزت كتحدٍ تشغيلي حقيقي. وتستكشف «ميسي فرانكفورت الشرق الأوسط» استخدام منصات عرض معيارية، ومواد معاد تدويرها، ونماذج الاقتصاد الدائري. إلا أن هذه التحولات لا تخلو من مفاضلات، إذ إن تقليل النفايات قد يؤدي أيضاً إلى تقليص العمالة في الموقع، ما يؤثر على منظومة الفعاليات الأوسع في دبي.

وأقرّ بلوم بهذه التعقيدات بصراحة، مشيراً إلى أن الاستدامة ليست التزاماً لمرة واحدة، بل رحلة تتطلب الشفافية والقياس السنوي المستمر. وفي قطاع يزداد وعياً بتأثيره البيئي، تبرز هذه التحديات كدليل على أن التقدم نادراً ما يكون خطياً.

وعلى الصعيد العالمي، ترتفع وتيرة التحديات. فمن المتوقع أن ينمو سوق السلامة العامة والأمن من 690.05 مليار دولار في 2025 إلى 784.08 مليار دولار بحلول 2026، مدفوعاً بالتوسع الحضري والتحول الرقمي والتوترات الجيوسياسية.

وباتت التقنيات المتكاملة، من تحليلات الفيديو المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى أنظمة القيادة والتحكم السحابية، بنية تحتية أساسية لا خياراً إضافياً. وتسعى منصات مثل Intersec Global إلى استيعاب هذا التقارب، من خلال توفير مساحة لا تُعرض فيها التقنيات فحسب، بل تُقيّم وتُختبر وتُربط بالجهات التنظيمية والمشترين حول العالم.

ومع ذلك، يفرض هذا الطموح تساؤلات جوهرية تستحق التوقف عندها:

إلى أي مدى ستدعم Intersec Global وصول الشركات الناشئة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى جانب اللاعبين العالميين الكبار؟

وكيف ستُترجم التزامات الاستدامة إلى نتائج واضحة وقابلة للقياس على المدى الطويل؟

ومع توسّع الأنظمة التنبؤية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي عبر القطاعات، كيف يمكن إدارة التكامل مع الحد من المخاطر الجديدة؟

في نهاية المطاف، ستتحدد مصداقية المنصة على المدى الطويل بمدى الشفافية والجدية في التعامل مع هذه الأسئلة.

ومن زاوية صحفية، تمثل Intersec Global مرآة وتوقعاً في آنٍ واحد. فهي تعكس كيفية تغيّر القطاع، حيث بات الأمن المادي والرقمي غير قابلين للفصل، وأصبحت التكنولوجيا محوراً أساسياً، ولم تعد المساءلة خياراً ثانوياً. كما ترسم ملامح الوجهة التي يتطلع القطاع إلى الوصول إليها.

وخلال التجول في أروقة Intersec، كان هذا التقارب واضحاً في كل زاوية: شركات الروبوتات تعرض طائرات فحص مسيّرة إلى جانب مزودي تحليلات الذكاء الاصطناعي ومبتكري حلول سلامة الحرائق. ولوحات البيانات الرقمية تقف بجوار أنظمة الإنذار التقليدية. فيما تركزت النقاشات في مساحات التواصل على أطر المخاطر السيبرانية والامتثال التنظيمي والتعاون العابر للحدود.

إن مستقبل السلامة والأمن لا تحدده أداة واحدة، بل منظومة متعددة الأبعاد. وقد نجح Intersec في تسليط الضوء على هذه المنظومة بطريقة نادراً ما تحققها المنصات الأخرى.

والخلاصة بسيطة: لم يعد بإمكان السلامة والأمن والمرونة العمل بمعزل عن بعضها. فالمراقبة أصبحت تنبؤية، وسلامة الحرائق باتت رقمية ومتصلة، والأمن السيبراني مرتبط مباشرة بالبنية التحتية المادية، فيما يشكل الذكاء الاصطناعي الطبقة الجامعة لكل ذلك.

ويمثل Intersec Global محاولة لفهم هذا الواقع وتيسير التعاون ضمنه، كاشفاً في الوقت نفسه عن التوترات التي ترافق صناعة عالمية مترابطة ومعقدة على نحو متزايد.

وفي المحصلة، يشكل Intersec Global عدسة لفهم تحديات عصرنا، مذكّراً صناع القرار والشركات والمستثمرين بأن السلامة والأمن لا يتعلقان بالمنتجات فقط، بل بالأنظمة والحوكمة والقدرة على التكيّف.

أما للصحفيين والمراقبين، فيوفر فرصة لمتابعة ليس فقط التقنيات التي يتم إطلاقها، بل كيفية دمجها وتنظيمها وقياس أثرها في العالم الحقيقي. فالحدود باتت دقيقة، والمخاطر مرتفعة، والنقاشات الدائرة اليوم ستحدد ملامح منظومة السلامة والأمن في الغد

بقلم: رباب زهرة رئيسة التحرير التنفيذية – TECHx Media