Home » أفريقيا » الاستراتيجية الرقمية في مصر تدفع الاستثمارات في بنية الذكاء الاصطناعي التحتية

تشهد أولويات مصر الوطنية تحولاً متسارعاً بفعل مسار التحول الرقمي، حيث باتت المبادرات الرقمية تؤثر بشكل مباشر في السياسات الاقتصادية وخطط الاستثمار والنقاشات العامة، وفقاً لما أعلنته وأفادت به الجهات الحكومية وممثلو القطاع الصناعي. ونتيجة لذلك، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من تخطيط البنية التحتية، ولم يعد مجرد طموح مستقبلي.

وبناءً على هذا الزخم، تُنظر إلى القاهرة بشكل متزايد باعتبارها مركزاً إقليمياً للتعاون الرقمي وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي. ويتزامن هذا التوجه في مطلع عام 2026 مع إطلاق فعالية AI Everything Middle East & Africa (MEA) Egypt، وهي منصة واسعة النطاق تركز على الذكاء الاصطناعي أولاً، وتجمع الحكومات وشركات التكنولوجيا والمستثمرين والشركات الناشئة في العاصمة المصرية.

وتلعب مصر بالفعل دوراً مهماً في منظومة الخدمات الرقمية العالمية، إذ تُصنَّف ضمن أبرز وجهات التعهيد، وتخرّج أكثر من 750 ألف طالب جامعي سنوياً، نسبة كبيرة منهم في مجالات الهندسة وتقنية المعلومات والاتصالات. ويتم توجيه هذا الرصيد البشري بشكل متزايد نحو خدمات الذكاء الاصطناعي، وتشغيل الحوسبة السحابية، والبحوث التطبيقية.

ووفقاً لمؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي الصادر عن Oxford Insights، تحتل مصر المرتبة الأولى أفريقياً في جاهزية الذكاء الاصطناعي، مدفوعة بنضج السياسات، وتطوير المهارات، واعتماد التقنيات في القطاع العام. في المقابل، أشارت Fitch Solutions إلى أن النمو في مجالات الحوسبة السحابية والأمن السيبراني وخدمات البيانات قد يدفع سوق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مصر لتجاوز 9 مليارات دولار بحلول عام 2030.

ويتوافق هذا التوجه مع الاستراتيجية الوطنية الثانية للذكاء الاصطناعي (2025–2030)، التي أكدت على اعتبار الذكاء الاصطناعي قدرة سيادية، مع التركيز على إتاحة القدرات الحاسوبية، وتطوير النماذج المحلية، وحوكمة البيانات، والتطبيقات القطاعية المتخصصة. وفي السياق نفسه، قدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن يسهم الذكاء الاصطناعي بما يصل إلى 1.5 تريليون دولار في الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا بنهاية العقد الحالي، ما يبرز الأثر الاقتصادي لقرارات الاستثمار في البنية الرقمية.

وفي الوقت ذاته، أصبحت مسألة السيادة محوراً رئيسياً في نقاشات سياسات الذكاء الاصطناعي في مصر. ومع تنامي حجم النماذج التوليدية وزيادة متطلباتها من الموارد، برزت قضايا تخزين البيانات، وتدريب النماذج، والحوكمة ضمن النقاش العام. ونتيجة لذلك، ارتفعت الاستثمارات في منصات السحابة السيادية، ومراكز البيانات الإقليمية، وأنظمة الحوسبة الموفرة للطاقة.

وتدعم الجغرافيا المصرية، ومزيج الطاقة، والبنية التحتية للاتصال، دور البلاد كمركز يخدم أفريقيا والشرق الأوسط وأجزاء من أوروبا. الأمر الذي يدفع شركات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية العالمية إلى إبداء اهتمام متزايد بالشراكات المحلية، والكفاءات البشرية، وبيئات الاستضافة المتوافقة تنظيمياً.

وعلى عكس الأسواق التي تركز بشكل أساسي على أدوات الذكاء الاصطناعي الاستهلاكية، تتبنى مصر نهجاً تطبيقياً، حيث تشمل القطاعات ذات الأولوية الخدمات المالية، والصحة الرقمية، والتصنيع، والخدمات اللوجستية، والزراعة، والإدارة الحكومية. وفي هذه المجالات، تسهم الأتمتة، والتحليلات التنبؤية، والرؤية الحاسوبية في تحقيق مكاسب إنتاجية فورية.

كما يبرز صعود الشركات الناشئة المحلية في مجال الذكاء الاصطناعي، إذ يعمل العديد منها على تطوير نماذج لغوية عربية، وتطبيقات للرؤية الحاسوبية، وحلول أتمتة موجهة للمؤسسات. ولا تزال اللغة العربية ممثَّلة تمثيلاً محدوداً في الأنظمة العالمية للذكاء الاصطناعي، ما يخلق فجوة تجارية وفرصة استراتيجية في آن واحد، كما أن الاستثمار في النماذج المدرَّبة محلياً يعزز الملاءمة الثقافية والامتثال التنظيمي.

ويعكس نشاط المستثمرين هذا التوجه، حيث تتجه رؤوس الأموال الجريئة الإقليمية والدولية بشكل متزايد نحو حلول الذكاء الاصطناعي المرتكزة على البنية التحتية، بدلاً من المنتجات الاستهلاكية.

وفي هذا السياق، تتعزز مكانة القاهرة كنقطة التقاء للحوار العالمي حول الذكاء الاصطناعي، إذ أصبحت الفعاليات الكبرى بمثابة منصات لإبرام الصفقات، وتنسيق السياسات، واستعراض فرص البنية التحتية.

ومن المقرر أن تُعقد فعالية AI Everything MEA Egypt يومي 11 و12 فبراير 2026 في القاهرة، تحت شعار AI Nations Summit، بمشاركة جهات بارزة من بينها IBM، والأمم المتحدة، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وCerebras، وTenstorrent، وCognizant، وStandard Bank، وHoneywell، وغيرها.

كما يُتوقع أن تستعرض شركات التكنولوجيا والشركات الناشئة حالات استخدام للذكاء الاصطناعي عبر قطاعات متعددة، بمشاركة Cisco، وHPE، وFortinet، وBarq Systems، وBrightskies، وCyshield، وZiwo، وZoho. ومن خلال جمع صناع السياسات، ومزودي الحوسبة الفائقة، والشركات الناشئة، والمستثمرين، تدعم الفعالية جهود مصر لمواءمة الخبرات الرقمية العالمية مع الأولويات الوطنية والطلب الإقليمي.

أبرز التطورات:

  • التوسع في السحابة السيادية وبنية الحوسبة الرقمية
  • زيادة الاستثمارات في حلول الذكاء الاصطناعي التطبيقية ونماذج اللغة العربية

وبشكل عام، تجاوز مسار مصر في مجالي التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي مرحلة التجارب الأولية. ورغم أن التقدم طويل الأمد سيعتمد على تطوير المهارات، وتوافر الطاقة، ووضوح الأطر التنظيمية، وبناء الثقة العامة، فإن مصر باتت تتمتع بمكانة متقدمة في النقاشات الإقليمية المتعلقة بالاقتصاد الرقمي وتطبيقاته.